فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تعشش في صلب المدينة الأوربية وتفوق كثيرا خرافات التصوف، وهنا يتربص الخطر بتجفيف ينابيع الدين ذاته.
فإذا نضبت التجربة الدينية في الإسلام فماذا سيكون مصيرها في الإسلام وفي العالم إطلاقا؟ إن مجرد إثارة هذا السؤال الذي أثاره المؤلف ليدل بقوة على عمق المشكلة.
مناقشة
من هذا العرض السريع الذي قدمناه يتبين أن أستاذنا الدكتور عادل العوا زين صدر الترجمة العربية بتصدير هام بين فيه تعريف الدين من وجهة نظر النزعة الاعتقادية عبر سياق تاريخي-فكري يبدأ من التهاوني إلى أبي الأعلى المودودي المعاصر، وقيمة هذا التصدير في نظرنا -ليس في وضع تعريف جامع مانع للدين الإسلامي بالخصوص بل في إسهام كل من الغزالي وابن تيمية ومحمد عبده وأبي الأعلى في إنماء التفكير الديني في الإسلام بلك ما يملكه كل منهم من استعداد شخصي وتفكير ذاتي وموقف خاص أمام مسائل الدين بالإضافة إلى تنوع معطيات العصور التي برز فيها أولئك المفكرون من علوم وثقافات.
بيد أن الأستاذ العوا بما بذله من جهد مشكور قد قدم للمكتبة العربية ترجمة أمينة لكتاب تتركز فيه أفكار المستشرق الكبير هـ جيب الذي تفهم روح الإسلام عن قرب- غير أن لنا بعض الملاحظات في هذا التفهم لكوننا مسلمين وتهمنا عقيدتنا من جهة أولى ولأننا نعتقد أن منطق الحروب والخصومة والتوتر الأرعن من صميم الحياة المادية لا من صميم الأديان، وفي القرآن الكريم آية سامية يتفتق مضمونها عن مبدأ رائع في المساواة في الاعتقاد الديني: لا إكراه في الدين -فالجدل بالتي هي أحسن أجدى على صعيد النقاش الفكري من الجدل المتطرف من جهة أخرى:
فأولا: نعتقد أن قول المؤلف في الفصل الأول أن الإسلام جاء لينظم الإحيائية العربية ويراقبها، هذا القول فيه إطلاق لأن الإسلام في جوهره ثورة جارفة على كل إحيائية عربية كانت أو غير عربية قديمة أو جديدة، وهنا يجب كذلك أن نفرق بين ما هو عادات اجتماعية وما هو طقوس دينية إذ أن المؤلف نظر -على ما يظهر- إلى بعض العادات الاجتماعية على اعتبار أنها طقوس دينية.
وثانيا: نرى أن الشعور الديني لم يكن قويا إلى الدرجة التي تسمح بتصلب في المواقف الدينية فالمقاومة التي بذلها العرب لمواجهة الإسلام جاءت على أساس اعتبارات اجتماعية كالمحافظة على المركز الاجتماعي والسعي وراء الشهرة أكثر مما جاءت على أساس ديني، والعربي كان يؤمن بالصنم ولكنه كان ينفر منه إذا لم يحقق غرضه بل ربما أكل معبوده المصنوع من التمر إذا جاع وهذا دليل على فراغ الشعائر العربية من معناها وقيمتها.
وثالثا: يرى المؤلف: (أن القرآن الكريم مثله مثل كتب الأنبياء في العهد القديم إنما يتكلم لغة الشعر ص 91) ويعتمد في المكان الأول الحدس الديني ولكن القرآن يلح على ناحيتين: ناحية العقل وناحية القلب ويتحدث حديثا موجها إلى العاطفة والعقل معا فطبيعة القرآن الكريم تدعو إلى التفلسف وإثارة أسئلة فلسفية غاية في العمق.
ورابعا: نقول أن حضور علم الكلام في التفكير الديني الإسلامي كان طبيعيا ان في الإسلام أو في كل دين ففي مرحلة أولى يكون إيمان بسيط بلا فلسفة وفي مرحلة ثانية يبدأ الناس يتفلسفون ويتعقلون دينهم، وعلم الكلام الإسلامي جاء نتيجة أسباب داخلية أهمها القرآن الكريم والاستقرار الحضاري والظروف السياسية وأسباب خارجية أبرزها وجود عناصر تدعو إلى إثارة مسائل دينية من ديانات مختلفة، ودفاع الفرق الدينية وخاصة المعتزلة عن الإسلام والرد على المخالفين، فعلم الكلام إذن لم يقف حجر عثرة أمام مرونة الدين الإسلامي كما يدعي المؤلف، ونحن نوافق المؤلف على أن الغلو في استعمال العقل ومحاكمته في الأمور الدينية يؤدي إلى تجميد تلك الأمور ذاتها فالدين كما يقول الأستاذ أحمد أمين يتطلب شعورا حيا أكثر مما يتطلب قواعد منطقية إلا أن استعمال العقل باعتدال هو الطريق السوي لتفهم الدين.
وأخيرا فإننا نرى في التصوف إسلاميا كان أو مسيحيا أو هنديا تجربة حية فردية في حدود الذاتية يدعو إليها الإسلام في مجال لا يتعدى مبدأ التباين الفاصل بين الله والإنسان أما أن تكون تلك التجربة هي قوام الحياة الدينية في الإسلام فإننا لن نستطيع رسم خطة مضمونة لمستقبل الإسلام لأن الإسلام هو أولا وبالذات تقرب إلى الله عن طريق التدبر والحدس معا وسائق لذوي العقول والقلوب جميعا.