فهرس الكتاب

الصفحة 3077 من 5287

الأخطار الحرجة التي كانت تلم به حيث انتكس انتكاسا خطيرا، ودب فيه داء المم: داء الخمول والانزواء والانحلال، وعلى أثر ذلك اغتنم المستعمرون هذا التدهور بصفة خاصة وتم لبعضهم الاستيلاء على بعض مدن المغرب.

وليس من الغريب إذا نحن نظرنا بصفة عامة إلى الوضع الداخلي والخارجي لجناح الأيسر من العالم العربي أن نجده في ذلك الوقت تعرض لعدة نكبات استعمارية منها سقوط دولة بني زيان في الجزائر ودولة بني حفص في تونس، ودولة بني الأحمر في الأندلس، واحتلال البرتغاليين والاسبانيين لمعظم شواطئ المغرب ومدنه وقراه.

ولعل أبرز الأسباب الذي ضخم الطمع الاستعماري وأيقظ فيه الإيجابية العدائية هو السلبية التي كان يعيشها المغرب يومئذ حتى غدت إحدى مظاهره الكبرى بيد رؤساء قصيري النظر أساؤوا إلى البلاد، ورعية أخشى أن أقول دبت فيها روح الخمول حتى أن كيان الدولة كاد يتحطم على سوء التنظيم والإهمال الجماعي والإداري، وإزاء هذه الأخطار التي كانت تحوم بالمغرب لتطويه في عدم من شخصيته، ولتكسر فيه قوة من شأنها تغيير بعض من الوضع الراهن انبثقت كالشهاب الثاقب يبيد الظلام في طريقه إلى تحقيق الهدف، وكينبوع من الماء العذب تدفق خيرا وبركة على البلاد، هذه الجماعة الصالحة بعثت في الأمة روحا جديدة وعزما قويا وآمالا بعيدة مكنتها من نهضة عظيمة، وقوة كبيرة .. ونستطيع أن نقول بأن السلطان محمد الشيخ الوطاسي تمكن من تجديد الوضع، وقلب شتى النظم، وذلك لما توفر له من سداد في الرأي وحنكة في القيادة حيث انتصر على البرتغاليين انتصارات كبيرة، وطردهم من حصن فونتي، وآسفي، وأزمور شر طردة، كما انتصر على الأتراك ف ي وقائع كثيرة ليس مهما هنا أن نفرد لها الحديث لذا اكتفينا بالإشارة إليها مؤمنين بأن هذه الإشارة وحدها تعطينا صورة حية وواضحة عن الاحتكاك المباشر وغير المباشر الذي حصل بين المغرب والدول الكبرى نتيجة لتلك الوقائع مما أدى إلى تكثير العلائق وتمتينها.

وإننا لنجد هذه العلائق قد اكتست شكلا دوليا أو يكاد يوم صرع المغرب البرتغال في موقعة وادي المخازن أو الملوك الثلاثة كما يسميها الغربيون، إذ انتشر صيتها في الداخل والخارج مثبتا بكثير من الفخر عظمة المغرب، وصموده فسعت الدول صغيرها وكبيرها تطلب وده، وترغب في صداقته وتمتين الروابط معه.

فهذا سلطان تركيا مراد العثماني يجدد اعترافه بالمنصور لسعدي، ويرسل له هدية عظيمة لم ير أحد ملها، وهذه دولة اسبانيا تعترف بعظمة المغرب، وتقدم له هدية كبيرة من الدر الفاخر، والزمرد البديع، وهذه اليزابيت ملكة انكلترا تراسل السلطان البطل أحمد المنصور، وتدوم لمراسلة بينهما عدة سنوات، تناولت أثناءها عددا من الموضوعات الهامة، كما أبرمت معاهدات لها وزنها الدولي، وليس غريبا أبدا أن نجد البرتغال التي صر عناها بالمس تطلب ودنا اليوم كغيرنا من دول أوربا وتسعة لتحسين العلاقات معنا، فتعبث وفدا لهذه المهمة يحمل هدية فاخرة على العربات.

وباختصار نجرؤ على القول بأن هذه الفترة من تاريخنا تخللتها مظاهر شتى أبرزها اليقظة النفسية، والمهارة الديبلوماسية التي أظهرها ملوك المغرب العظام في الوطن من الورطة التي كان مندفعا إليها وحرصهم على حفظ الاستقلال، وحمايته من الضياع فلم يتوانوا في تطوير علاقات مسالمة مع أكبر عدد ممكت من الدول، وخصوصا الدول الإسلامية التي كانوا يحترمونها ويتعاونون معها تعاون الأخ مع أخيه، والجار مع جاره، إننا واجدون هذه الظاهر الطيبة متمثلة في السلطانين عبد الملك وأخيه المنصور مع السلطان العثماني مراد.

وقصارى القول: إن الديبلوماسية المغربية طيلة هذا القرن انصرفت بشكل قوي إلى صد عادية التوسع التريكي وكبح جماحه والحيلولة دون تسرب الدول الاستعمارية إليه.

وجاء القرن السابع عشر وبعد مضي ثلاث سنوات منه يعني في الوقت الذي توفى فيه السلطان أحمد المنصور الذهبين انتهت عظمة الدولة السعدية وفقدت ما كان لها من العظمة والتبجيل، ولعل أهم عامل في ذلك هو التنازع الذي قام به أبناء السلطان السابق، فقامت بينهم حروب ومعارك تلتها حوادث جسام مما أدى إلى ضعف الدولة وضياع ما كانت تتمتع به من نفوذ وصولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت