فهرس الكتاب

الصفحة 3136 من 5287

المرن وجاء (الجنرال جوان) وابتدأ عهد الأزمات والاصطدامات المتوالية ذلك العهد الذي أثبت فيه محمد الخامس أنه يملك من الصلابة العنيدة مقدار ما يملك من الأناة الحصيفة وأزمة فبراير 51 وما عقبها من أزمات انعكاس ظاهر لصلابة الملك الشاب ومضاء عزيمته ورسوخ إرادته.

على أنه فيما يواجه مؤامرات المستعمرين بالصلابة كان يحتفظ بنفس المستوى الذي عهد فيه منذ ولي العرش من الحصافة في مناورة الدبلوماسية الفرنسية ومماكرتها يعكس ذلك تصرفه في باريز يوم سافر إليها لمحاولة اقناع الدوائر الفرنسية العليا بخطأ الاتجاه الذي أخذ يومئذ يظهر ويشتد في الدوائر الاستعمارية بالمغرب وخاصة في دوائر المقيم العام الجنرال جوان.

وقد كان يستطيع لو شاء أن يتجنب الكثير من الأزمات بأن يصادق على بعض رغبات الإقامة العامة منتظرا فرصا أفضل لنسخ ما صادق عليه من قبل ولكنه كان يربأ بنفسه وبشعبه أن يعترف وان بصفة وقتية بما من شأنه أن يتيح للفرنسيين حقوقا دستورية ترقى إلى اشراكهم في السيادة والمواطنة.

وأمام فشل الجنرال جوان في إقناع محمد الخامس وإخضاعه وخاصة بعد أن وقف الملك الشاب صلبا عنيدا في إقحام المغرب في الحلف الأطلسي لم تجد حكومة باريز مناصا من عزل مقيمها في الرباط وتعويضه بمقيم جديد أبعد عن الوعي السياسي وأمكن من طبائع المتعجرف المستبد، وكان تعيين الجنرال كيوم مقيما عاما بالمغرب بداية النهاية لحكم فرنسا ولم تكن أزمة عشري غشت 53 ونفي صاحب الجلالة إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر إلا عنفوان المعركة الفاصلة ذلك ما قدره محمد الخامس وذلك ما حققته الأحداث.

وعاد محمد الخامس من منفاه وفي يمينه الاستقلال، وفي عزمه الدخول في معركة جديدة، معركة بناء الدولة لقد استطاع أن يبني الأمة التي خاضت لعشرين سنة أو تنيف معركة الاستقلال في ميادينها المرنة والدامية وهو اليوم يريد أن يبني الدولة التي تعود على الأجيال المقبلة من هذه الأمة بالعزة والرخاء.

وما من أحد إلا ويتبادر إلى ذهنه ما أنجزه محمد الخامس الملك المستقل من يوم 16 نوفمبر 1955 يوم عاد مظفرا من منفاه إلى يوم 26 فبراير 1961 يوم لحق بجوار ربه راضيا مرضيا، ان منجزاته هي التي حشدت الشعب يوم فاجعته مخلوب اللب منهار القوى يوشك أن يفقد كل صواب بل انه قد بدا وكأنما استحال إلى سيل من العبرات المفجوعة المجزوعة تنسكب من مختلف الفجاج والسفوح والسفوع لتتجمع في الرباط آية من أصدق آيات الولاء والاعتراف بالجميل.

إنها أربع وثلاثون سنة قضاها محمد الخامس على العرش وان ما أنجز خلالها لشهادة لا سبيل إلى الغمز فيها على أنه لم يستمتع بأبهة العرش وإنما اضطلع بأعباء الزعامة لأن العرش كان في تقديره القاعدة الحقيقية والأصيلة للزعامة الصادقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت