فهرس الكتاب

الصفحة 3148 من 5287

من اقتدار، لقد رأيت منه أثناء أزمات العهد البائد والاصطلاء بحر المكائد والشدائد، ما يثلج الصدور، ويسر الناظر، من غيرة على الوطن، واخلاص للشعب، ودفاع عن الحقائق، .. عن الكرامة، وكفاح من أجل السيادة، ثم وجدت منه أثناء المحنة الكبرى خير معين على اجتياز صراطها، وأكبر مساعد على حمل أثقالها، فكان البار بإخوته، الحاني على أسرته يؤنسهم في الوحشة، وينسيهم ألم البعاد والغربة، ويجد اللذة في مرضاتهم، وينشط في قضاء حاجاتهم، ويزيدهم بثباته وصبره إيمانا مع إيمانهم، كل هذا مع شديد حنينه إلى بلاده، وتتبعه لسير الأحداث فيها، ويقينه بأن العافية للمتقين، ولا عدوان إلى على الظالمين. ولا غرو فقد ربيته على تعاليم الإسلام، وطبعته بمكارم الأخلاق، وأدخلت في روعه الجد والرجولة، وعلمته أن اللذة الحقيقية إنما هي في خدمة الوطن، والسهر على مصالح سكانه، ثم أخذته بالتدريب، وعجمت عوده بالتجريب، فلم تخب فيه الظنون، ولا بدا منه غير المرجو والمامول. ورأى الشعب منه ما رأيت، وعلم مثل ما علمت، حتى اقتسم واياي فيه الرأي وشاطرني النظر، فنما في قلبه حبه، وعظمت في نفسه الثقة به. وإنني في هذه الساعة العظيمة ادعو الأمة إلى شد أزره، وتعليق الأمل عليه، فقد أعطى القوس باريها، وأسكن الدار بانيها. ولتجعل من ثقتها بنا ثقة به، ومن التفافها حولنا التفافا حوله وتوجيها إليه، فأنا شهيد على إخلاصه، ضامن لنصحه وجميل وقائه.

عنوان إشراق البداية

وإن بشائر الرضى وآيات القبول أن تقترن في هذا الحادث السعيد ثلاثة أعياد، وتلتئم ثلاث مسرات: مسرة بعيد الأضحى المبارك الذي هو عيد الإسلام الأول، وموسمه الأجل، ومسرة بعيد ميلاد الأمير الذي كان فاتحة نهضة وبادرة يقظة، ومسرة بعيد تنصيبه الذي طالما كان أمنية البادي والحاضر، ورغبة القاصد والصادر. ولا جرم أن اجتماع هذه المسرات بهذه الأعياد سينسيكم ذكرى الواقعة التي حلت بنا في هذا العيد منذ أربعة أعوام، يوم نفينا من البلاد، وأبعدنا من عرش الآباء والأجداد. فالحمد لله الذي مسح ءاية الباطل بآية الحق، ومحا بصبح الحرية والانعتاق ظلال العبودية والرق.

وها نحن باستجابتنا لرغبتك، خطونا خطوة كبرى في تقعيد قواعد الملك، وإقامة بنيانه على أساس متين. فهذا التنصيب الذي لن يخفف شيئا من عبء الأمانة التي طوق الله بها عنقنا، سيزيد ولا شك من مسؤولية ولي العهد، ويقوي عونه على خدمة البلاد وأهلها أكثر من ذي قبل. وهو داخل في إطار تنظيم الدولة العام الذي كنا وما نزال حريصين على تحقيقه، وإبرازه في أحسن مظاهره وأكمل وجوهه. فقد عاهدنا الله على أن لا ندخر وسعا في تحسين أحوال الأمة وإصلاح نظم الحكم فيها، وآلينا على نفسها أن نصل سواد الليل ببياض النهار في العمل على نفعها، والسعي في جلب الخير إليها وإلى آخر رمق من حياتنا، محافظين على ما انحدر إلينا من ماضينا المجيد من القواعد السليمة، والعادات القويمة، ومقتبسين من أحسن ما اهتدى إليه المصلحون في الحاضر من القوانين التي تبسط الأحكام، وتقيم العلائق بين الرئيس والمرؤوس على صرح التعاون والمودة والاحترام، بهمة لا تعرف الملل، وعزيمة لا يتطرق إليها الكسل، حتى نصل بشعبنا الوفي إلى ذروة الكمال، ونبلغ به مصاف الدول الديمقراطية العظيمة.

الوصية: عليك بسنة رسول الله

وأنت يا بني،

ها قد أفاء الله عليك من عوارف أنعامه، وأضفى عليك سوابغ قبوله وإكرامه، وألف بين القلوب على حبك واطلق الألسنة بمدحك والثناء عليك، فاحمد الله الذي شرح للإيمان صدرك، ورفع بالأخلاق قدرك، ونشر بالتضحية في الخافقين ذكرك. وإياك أن تحيد عن صراط الإسلام القويم، أو تتبع غير سبيل المومنين، فإنه لا عدة في الشدائد كالإيمان، ولا حيلة في المحافل كالتقوى. واعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وتقرب منه بالأعمال الصالحة ذراعا، يتقرب منك توفيقك باعا، واجعل القرآن المصباح الذي تستضيء به اذا ادلهمت الدياجي واشتبهت عليك السبل، وليكن لك في رسول الله وصالحي الخلفاء أسوة حسنة، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت