فهرس الكتاب

الصفحة 3173 من 5287

ويستجيب الوالد لرغبة شعبه فيوليه العهد، وهنا يظهر المشهد البديع الذي يصور غاية الوفاء والاعتراف بالجميل في الأمير الشاب ومنتهى الإخلاص في النصح والإرشاد في الملك الذي جمع إلى حصافته الأصيلة رصيدا من التجارب هو خلاصة ما خاض من معارك مهولة وخرج منها مظفرا منصورا، فيقول الأمير لأبيه مصورا كيف كان ينشئه وكيف كانت هذه التنشئة تفعل في تكييفه وتوجيهه ..

(لن أنسى ما حييت الدرس العملي الذي تلقيته منك، وأنا اشرف على امتحان القسم الأول من الباكالوريا، فقد أدركت أني قد قصرت بعض التقصير في واجباتي المدرسية فدعوتني لتلقنني درسا عظيما، اذ سألتني عن تاريخ أجدادنا من الملوك العلويين وعن تاريخ الملك الصارم مولاي سليمان وكيف أبعد أبناءه جميعا عن ولاية العهد، لأنه لم يجد فيهم رجلا صالحا للقيام بشؤون الأمة، وعين لذلك أصلح أبناء أخيه، وقلت لي يا صاحب الجلالة لن أكون أقل صرامة وشدة من مولاي سليمان ولذلك فالطريق أمامك واضحة، وسأساعدك على سلوكها، إن أمامك ثلاثة أشهر سجنا داخل المدرسة لن تبرحها ولن ترى أحدا من أفراد عائلتك وأصدقائك حتى تؤدي الامتحان بنجاح) لقد كان هذا الدرس من أعظم الدروس التي تلقيتها في حياتي، علمني الاعتماد على اليقين والانقطاع إلى العمل والتخلق والصبر وامتحان الضمير .. )

ويقول له الوالد: (يا بني ها قد أفاء الله عليك من عوارف أنعامه، وأضفى عليك سوابغ قبوله وإكرامه وألف بين القلوب على حبك، وأطلق الألسنة بمدحك والثناء عليك، فاحمد الله الذي شرح للإيمان صدرك ورفع بالأخلاق قدرك ونشر بالتضحية في الخافقين حسن ذكرك) ثم يمضي في رسم معالم السلوك له يهتدي بها في معاملة رعيته وممارسة واجباته بما يهتدي بها في معايشة أسرته، وما من شك في أنه اليوم وقد صار إليه الأمر، وانتقل والده العظيم إلى الرفيق الأعلى يستعيد تلك النصائح فيما يستعيد غوالي الذكريات ويتمثلها دستورا لحياته كما عاهد أباه يوم صدع إليه بها وهو يوليه عهده إذ قال: إليك عهد الله يا مولاي وعهد النبوة ان اجعل ما تكرمت به علي دستوري الذي أتقيد به وديني الذي أحافظ عليه إلى أن ألقى الله)، وانه لدستور خليق بأن يملأ القلوب وهو يطبق إيمانا وفخرا، كما ملأها يوم كان يرسم ويصدع به أملا وحبا، لذلك كان غزاء الشعب في مصابه بالفقيد العظيم صاحب الجلالة محمد الخامس هو أمله الكبير في الوارث العظيم صاحب الجلالة الحسن الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت