فهرس الكتاب

الصفحة 3337 من 5287

مفهومه يجمد حيويته ويجفف تنوعه الخصيب، فإذا كان تعريف الحرية يحد من الحرية ويخنق فاعليتها كما يرى غابرييل مارسيل بحق، فان تعريف الفكر لا يلتقط من واقع الفكر إلا سطحه الساكن يصبه في قالب لغوي بعيد عن التعمق في صميم الفكر الحي الحركي، وما محاولة الكلمة- وهي من صنع المجتمع- في النفاذ إلى قالب الفكر إلا كمحاولتها اليائسة في السؤال عن الروح- وهي من أمر ربي- أهي نسمة لطيفة Pneuma كما زعم التفكير اليوناني؟ أم روح حيواني ينساب في الجسد كما قال ديكارت؟ أم جوهر روحي أو مونادا Monada تفعل وتدرك كما ادعى لايبنتز؟ أم هي صفة الفكر والجسد؟ صفة الامتداد تلقيان في الإنسان على حد تعبير سبونزا؟ أم تركيب عفوي من الازوت والأكسجين والإيدروجين والكربون كما نادى ارنست هيكل ( Haeckel)

إنها الروح وكفى نتعرف عليها بمظاهرها وحوادثها النفسية شعورية ولا شعورية والتي تتجلى في جميع السلوك الإنساني كالتذكير والإرادة والانتباه والهيجان والحلم والنسيان إلى غير هذا .. وفي هذا الصدد يقول عالم النفس تيودور ريبو T.Ribot: إن علم النفس هو علم بدون نفس- أي تعريف ماهية النفس وتحديد جوهرها، فغاية علم النفس الحديث مراقبة السلوك في الموقف والفعل.

كذلك الفكر فانه يتمرد على كل تعريف وهو في الوقت نفسه ملكة التعريف، وعبثا حاول التفكير الفلسفي أن يكتشف ماهية الفكر ويتعمق معناه فقال كانت Kant أنه الحكم، ورأي باسكال أنه المحاكمة، واعتقد شوبنهور أنه قوة إنشاء المفاهيم «التي تميز الإنسان عن الحيوان» ، ولكن الفكر كل هذا وأكثر منه حيوية تتجدد باستمرار وتتبدى في كل مجال وترفد التجربة الإنسانية بقوة الملاحظة ورفاهية الحس ودقة المنهج وحرية الانتقاد وشفوف الخيال، وتلك الدفعة الحيوية الفكرية لا تنطلق إلا من هيجان خالق مليء بالمعاناة والقلق مثار في أعماقنا فريد في نوعه، فالفكر لا يحيا إلا بالقلق .. ونفي القلق من تجربة الفكر يعي موت الفكر ذاته لان الثبات والسكون البارميدي البارد هما مشاهدة حيادية منفعلة أمام الوجود، وتوقف سلبي حيال غموض الحياة، إن القلق حامل علامة الاستفهام (؟) الحبلى بالمفاجأة والدهشة والسؤال، وهي المراحل الثلاث التي تقطعها الرغبة في المعرفة ..

أليس دوار الغموض والدهشة هو الذي اقلق الفنان بول غوغان، فاسقط قلقه الفني على لوحته الخالدة (الوصية الأخيرة) وواجه الحياة والوجود بأسئلته المحيرة: من أين أتينا؟ ومن نكون؟ والى أين نسير؟

الإنسان خالق علامة الاستفهام وواجد السؤال وما تاريخ الفكر يحاول الوصول إلى استقرار يلطف قلقه ويرطب معاناته ولكن هل هناك وصول؟ إن كل جواب على هذا السؤال بنعم معناه توقف الحياة وتمزق الفكر وقبول اتكالي خامل لكل ما في الوجود دونما إسهام من الإنسان في تفهمه وتفسيره، وكما قال أفلاطون: أن كل ما قلناه ليس كل ما ينبغي قوله فما زالت هناك أشياء كثيرة في الوجود أدق على التفكير أن يشملها ويستوعبها ومع ذلك فان الفكر دونما يحاول أن يثابر على البحث عن اليقين ويجدد مواقفه تجله المشاكل رغم غموضها وقصر الحياة ورغم عدم وجود جواب معطى بصورة نهائية، لان جوهر الفكر في البحث عن الحقيقة لا في امتلاكها ومن الجبن اليأس من البحث قبل الوصول إلى آخر مدى للفكر ما دام الإنسان حيوانا ميتافيزيقيا بالتعبير الشوبنهوري، ومادامت الحقيقة تحيا في الإنسان وبالإنسان ومع الإنسان، كذلك من العبث السافر أن نعتبر التفكير لعبا نافلا من قبيل الترف والمران الذهني ما دامت الحقيقة لا تهدم الإنسان بل تنتشل وجوده من رتابة اللحظات المعينة.

خاصة الفكر الأساسية هي القوة النفسية الشعورية التي تلاحظ الواقع لتكتشف فيه ما هو كلي وثابت بالإلحاح الشديد على البحث عن الحقيقة قبل كل شيء، انطلق هذا الإلحاح في البدء من قلق ارتدى في الأصل ثوبا أسطوريا غيبيا ولما استطاع الفكر أن يتجرد من الوهم الخرافي خطا خطوة جريئة حاسمة في السيطرة على الطبيعة وإلغاء الحواجز بينه وبينها عن طريق العقل، وهذه الخاصة شديدة التعقيد حتى أننا لا نستطيع تحليلها إلى ما هو ابسط منها وليس أمامنا سوى وصف جميع أعمال الفكر الصادرة عن أحكامه التي تقدر قيم الأشياء وتبرر ظاهراتها وتقرر:

ما يجب علينا أن نعلم - ما يجب علينا أن نفعل- ما يجب علينا أن نتأمل

تتجلى هذه المسائل (العلم- الأخلاق- الفن) في ثلاث قيم كبرى: الحقيقة في مجال النظر العقلي والخير في مجال العمل الأخلاقي والجمال في مجال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت