فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الإنسان من تفهم ما في السماوات وما في الأرض ليغدو الإنسان أخيرا الإنسان العارف Homo sapiens يملك جرأة العقل للوصول إلى اطمئنان ينعش معاناته ويرطب قلقه.
إن الحيوان مستغرق في العالم متكامل مع الطبيعة لا يتجاوز اللحظة الراهنة التي يحياها وغاية وجوده أن يتصرف، أما الإنسان فهو يتقدم ويتجاوز الطبيعة ويتعالى عليها بالفكر وتصور المستقبل ومعرفة القيم والمثل العليا، ومع ذلك فالوجود البشري حافل بالتناقض والتعقيد بجمع السعادة والشقاء والعظمة والتفاهة والقوة والضعف ويعرف الخير والشر وهما صلب طبيعته ما افترقا فهو ذو ماهية عصية التحديد يتبدى خلالها كائنا مشكلا problematique حارت البرية فيه، ولكن الإنسان رغم ما في صميم وجوده من تناقض فانه كما قال باسكال: قصة مفكرة يعي عبت فعله غير المضمون وفشل تجربته في فك طلسم وجوده ووجود العالم، فيحاول من جديد استرداد معنى حياته الأصيل والتطلع إلى كل شيء بأي ثمن، تطلع فاوست إلى نيل مأربه المبهمة مستندا إلى الفكر .. إذ بالفكر، والفكر وحده، تتكشف أصالة الإنسان حين يبحث عن الحقيقة ويتجه إلى ذاته فيحيا أفكاره بالتزام حر ومسؤولية نيرة واستقلال ذاتي رغم وعيه العميق بأن فعل يشيع فيه الهدوء النفسي هو محاولة ضائعة إلا أن وعيه ذاك هو الدفعة الحيوية التي تغدي فكره فيستمر في العطاء الكريم وأن توقف أحيانا عن البذل لدى اصطدامه بوجود الإنسان ذاته ووجوده مع الآخرين ووجوده في العالم.
فالفكر الحقيقي لا يمكن أن يطرد من الميدان وليس حادثا عارضا، ومن العبث أن نردد قول روسو: أن الإنسان الذي يفكر حيوان فاسد. لنقبل على العيش في غبطة مخدرة متعرضين للصدف والقوى الخفية وضربات الطبيعة والقدر، أو نغني بانتشاء رومانتكي مليء بالفرح والاستسلام معا، قصيدة الشاعر وود ووث:
(نبضة من غابة خضراء
قد تنبئك عن الإنسان .. وعن الخير والشر أما فكرنا المتطفل فيشوه الأشكال الجميلة)
فنحيا منعمين بالسلام الداخلي بوفاق مع الطبيعة يدغدغ وجودنا التخاذل والعطالة والسكون وتنهنه أنفسنا اتاركسيا رواقية Ataraxie بإرادة ما يحدث كما يحدث وعندئذ ننساب في تيار الحياة السعيدة وننعم بهدوء جميل بعيدين عن الانخراط في العالم والتزام التفكير فيه بحرية تامة.
إن مأساة الوجود الإنساني وعظمته معا تنحصران في تلك العملية الشاقة- عملية الفكر التي يقوم بها الإنسان حينما يرفض الهدوء الحالم والسعي الرخيص وسواء علينا أتحررنا من عبودية الطبيعة أو البرج العاجي أو المجتمع أو الدولة أو الآلة أو الطبقة فنحن مدعوون إلى الانخراط في عالم مضطرب متوتر، عالم لم يعد الإنسان يطف حوله في سنتين أو في ثمانين يوما بل أصبح الإنسان اليوم قادرا على الطواف حوله في تسعين دقيقة، وتغبير آخر أن مصير الإنسان لم يعد مرتبطا بمصير العالم بل العكس، إن مصير العالم متعلق بمصير الإنسان.
فالفكر إذن ليس ترفا يزهو به العقل البشري أو لعبا شطرنجيا بارعا في الخروج من المأزق .. وإنما هو ضرورة جوهرية كضرورة الوجود الإنساني في ذاته .. وإذا كنا رفضنا إنسان روسو الطبيعي وإنسان الإبداعيين (الرومانتكيين) الواجد في الطبيعة والفن عزاءه وهدوءه النسبي واستدعينا بالمقابل الإنسان الملتزم القلق الإنسان الذي عليه أن يسير ويكافح وحتى إذا فشل فحسبه أن يكون قد كافح بنبل وجدارة فإننا نرفض كذلك إنسان السلوكيين الذين يزعمون انه حزمة أفعال وردود أفعال وأن تفكيره بالأحرى نمط من السلوك الباطني يدل عليه فعل صريح ظاهر من ارتعاش الشفتين وهزة الحلق وحركة التنفس.
الفكر هو حامل الوجود الإنساني خلال التاريخ الحضاري وقيمة الفكر هي مجد الإنسان الأعظم والفكرة هي قوام المدنية وأكثر عناصرها بقاء ونماء وعن طريق الفكرة النيرة التي تصبح عملا يكون الإنسان أكثر اتصالا بالإنسان منه عن طريق الروابط الطبيعية أو العرفية، وما تجربة التاريخ إلا دلالة حية على الاستقلال الذاتي للفكر، فتطور الإنسان يرافق تطور الفكر والمعرفة هي تعمق لحظة حياتية تعكس سؤالا وجوابا قد لا يكون نهائيا ومضمونها مهما كان يولد من علاقتها بموقف محدد.
إن الفكر ليس خارج الحياة بل هو في الحياة ومع الحياة .. وبدء الحياة.