فهرس الكتاب

الصفحة 3436 من 5287

ولا مغالاة في القول أن البناء العقائدي المتين الذي تستند إليه الوحدة المصرية السورية وتنهض على أساسه هو بلا ريب - كما قدمناه - مصدر هذه الطاقة من الحصانة والمناعة التي تتوافر لهذه الوحدة والتي تضمن لها مزيد القدرة على الصمود أمام العوامل والتيارات الدولية المضادة، تلك العوامل والتيارات التي ما فتئت تعترض جميع البوادر التوحيدية العربية المتحررة والتي تشكل بالفعل جزءا كبيرا من تاريخ الكفاح التوحيدي العربي ومرحلة أساسية من مراحل نموه وتطوره، وإذا ما استقصينا أصول هذه العوامل فانه سيكون من اليسير لنا أن ندرك بان المد الثوري التحرري الذي خلقه قيام هذه الوحدة والتهديد المباشر الذي يشكله وجودها للمصالح الغربية والشرقية في منطقة غربي آسيا وتطورات الأوضاع الدولية التي أعانت على نشوئها في المنطقة، كل ذلك كان من المعقول أن يؤدي بهذه الوحدة إلى الارتطام بكثير من المناورات الدولية المتعددة ويجعل منها هدفا أساسيا من أهداف العدوان الدولي غير المباشر بكل ما يتقمصه هذا العدوان من صور مختلفة وما يتجلى فيه من مظاهر متنوعة. ومن بين العوامل الأساسية في هذا المقام ما يلي:

1)كان قيام هذه الوحدة بالشكل الذي تم الإعلان عنه في فاتح يبرا ير 1958 - ظاهرة خطيرة وهامة جدا في حياة العرب والقومية العربية، فقد أكدت الشهور التالية لميلاد الجمهورية المتحدة أن القومية العربية يمكن في حالة توافر المقتضيات اللازمة- أن تكون أساسا لحقائق كيانية جديدة تتوافر لها جميع العناصر الضرورية لقيام المجتمعات الحية النامية المتماسكة: والحق أنه ليس من الجائز - لحد الآن- تقدير النتائج البعيدة لقيام الجمهورية العربية المتحدة وما يمكن أن تنطوي عليه هذه التجربة العربية الفريدة من آثار عميقة على مستقبل الفكرة الوحدوية العربية العامة، إلا أن الذي يبدو مؤكدا بالفعل هو أن قيام هذه الجمهورية كان تحديا ضخما للنظريات المناوئة للقومية العربية، تلك النظريات التي تقوم في مجموعها على أساس الاعتقاد بأن مبدأ هذه القومية مبدأ وهمي خيالي مفتعل وبالتالي فأن الدعوة للوحدة في نطاق هذا المبدأ هي - بالضرورة- دعوة غير معقولة وتتنافى مع القواعد الصحيحة لبناء الكيانات والمجتمعات السليمة. وقد لاقت هذه النظريات- بالفعل- بعض الرواج والنفاق في أوساط معينة بالعالم العربي وفي كثير من المحافل المعينة بالشؤون العربية في الغرب، ولا تزال بعض المحافل والأوساط- وقد قامت ج. ع. م- تستمسك بالأمل بإمكانية إخفاق البادرة التوحيدية الرائعة التي تتمثل في وجود هذه الجمهورية وبالنتيجة انتكاس العقيدة القومية العربية التي تنهض على أساسها هذه البادرة، إلا أن الأطوار التي مرت بها التجربة الوحدوية بين سوريا ومصر في غضون السنوات الثلاث الماضية لم يكن من شأنها أن تبيح الاستمرار في انتظار هذا الإخفاق أو ترقب بوادره وارهاصاته على الرغم مما تتناوله مصادر الدعاية الأجنبية والشعوبية من مواضيع في هذا المجال.

2)أدى قيام الوحدة بين مصر وسوريا وتكتل القوى السياسية الموالية لمبدا الحياد الايجابي داخل هذه الوحدة- أدى ذلك إلى نشوء أوضاع سياسية جديدة في الشرق الأوسط من شأنها أن تقضي إلى تجميع مصادر الاتجاه الحيادي في المنطقة وتركيز الضغط الإيديولوجي والسياسي الذي توجهه هذه المصادر وتستهدف منه العمل على مطاردة الاتجاهات التدخلية الأجنبية وتحقيق المدلول السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعبر عنه مفهوم القومية العربية، وقد كان من شأن هذا التركيز لقوى الحياد الدولي في منطقة من أهم المناطق الحيادية في العالم- كان من شأن ذلك أن يعين على تعزيز الأوضاع الدولية التي تحتضن مبدأ الحياد ويضفي على جوهر الفكرة ذاتها رداء لامعا من الجدة والروعة والفعالية.

3)كان قيام النظام التوحيدي الجديد أساسا لكثير من التغيرات الجذرية التي أصبحت تميز الخريطة السياسية والأوضاع الدولية العامة بالشرق الأوسط تلك التغيرات التي ساهمت حقا في قلب مستويات التوازن الدولي الكلاسيكي بهذه المنطقة وأعانت على إبراز الواقع الثوري العربي الجديد الذي أصبح يتحكم في تحديد مصيرها وتخطيط اتجاهاتها وضبط مسيرها التاريخي الحاسم نحو السلام والحرية والوحدة والتقدم

ومن بيت هذه التغيرات:-أ- حبوط خطة عزل مصر.-ب- انفلات سوريا من بؤرة الضغط الدولي الذي كان عليها مستمدا فعاليته من حدود البلاد الشمالية والشرقية والجنوبية-ج-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت