فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قد يخدم اللغة العربية، ولكنه لا يخدم في نفس الوقت أصحاب هذه اللغة الخدمة المنتظرة منه كأديب. إلا انه عندما يجيد في وصف العربي المتشرد، والعربي اللاجئ، والعربي المتسول، والعربي العاطل، والعربي الفقير، ويطالب بحق هؤلاء جميعا في الحياة الحرة الكريمة، ويشيد بمبادئ العدالة الاجتماعية، والمساواة وتكافؤ الفرص، ويثور ضد الاستغلال والإقطاعية والظلم الاجتماعي، ويصف حياة البؤس والشقاء التي يعيش فيها مئات الآلاف من مواطنه سكان الأكواخ والخيام ومدن القصدير عندما يصف الأديب المغربي ذلك، لا يخدم اللغة العربية وحدها، وإنما يخدم أيضا أصحابها، ويخدم الإنسانية قاطبة.
إن تاريخ حياة اللغة العربية ملئ بالأدباء الذين يرعوا في وصف الزهور، والربيع، والجمال، وافتتنوا في وصف أشواق المحيين، وهيام العاشقين ودلال ألحان، هؤلاء كانوا يضيفون في كل قرن مجلدات ضخمة إلى مكتبة الأدب العربي، ولكنهم لم يضيفوا أي تحديد في إحساس العربي، ولم يثيروا أي تحول في تفكيره أو نظرته إلى الحياة.
إن أكبر وهم عند أدبائنا اليوم، هو أن يعتقدوا أن هدف الأدب العربي لا يزال هو خدمة اللغة العربية، وإظهار عبقريتها، وقدرة صاحبها على سبك المعاني، وعرضها في أشكال رائعة من البيان والبديع، بينما أصبح هدفه الأسمى المباشر، هو خدمة الأمة العربية نفسها، والعمل على رفع مستوياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ودفعها في طريق التطور والتحرر والتقدم، من أجل حياة أسعد، وبناء مجتمع أفضل.
وهل يمكن أن نزعم أن فيكتور هيجو عندما كتب قصته «البؤساء» كان يهدف فقط إلى خدمة اللغة الفرنسية؟، أن الأديب الفرنسي قبل أن يكتب هذه القصة التي اشتملت على نحو 500 صفحة، لخص هدفه منها في المقدمة التالية:
«ما دامت مشكلات العصر الثلاث: 1) تدهور قيمة الإنسان في الطبقات الدنيا، 2) وسقوط المرأة بفعل الجوع، 3) وهزال الطفولة بفعل الجهل، ما دامت هذه المشكلات باقية لا تحل، .. وما دام الاختناق الاجتماعي لا يزال ممكنا في بعض البقاع، أو بتعبير آخر، وبنظرة أوسع مادام ثمة على الأرض جهل وبؤس، فإن كتبا من هذا النوع لا يمكنها أن تكون بلا فائدة» .
ذلك نموذج من أدباء القرن التاسع عشر، وفي القرن العشرين، هل يمكن لأحد أن يدعي أن بوريس باسترناك عندما انفق عشرة أعوام من حياته في كتابه «الدكتور زيفاغو» كان يهدف لخدمة اللغة الروسية؟ وهل من أجل هذا الهدف نال جائزة نوبل للسلام؟!.
إن الأديب المعاصر يعتبر إنسانا نموذجيا تنعكس عليه مشاعر أمته ومطامحها، وأدبه، سواء كان شعرا أو قصة، أو مقالة، أو مسرحية يجب أن تشع منه أنوار هذه المشاعر، وأن تخترق الحواجز والحجب لتضيء ظلام الفكر الإنساني، وترشد النفوس الحائرة والجاهلة، وتهدي الناس إلى معرفة الحق والخير والجمال، وتثير فيهم الطموح للحصول على حياة كريمة في ظل مجتمع كريم.
أديب القرن العشرين يجب أن يحس بحاجات أمته، وأن يعيش في غمرة هذه الحاجات، وأن يصورها ويدافع عنها، وأن يستجيب لمتطلبات التطور الاجتماعي والاقتصادي، من غير أن ينسى القيم الخلقية والروحية التي يقوم عليها كل مجتمع إنساني سليم.
إن مشكلة «الأديب المغربي» لا تختلف عن مشكلة «الفلاح المغربي» و «الصانع المغربي» ، إنها مشكلة «تختلف» . فإذا الفلاح في حاجة إلى جرار بدل المحراث، والصانع في حاجة إلا آلة للنسيج بدل النول، فإن الأديب في حاجة إلى التخلص من «اجترار» الموضوعات التقليدية، وإعطاء مفهوم جديد للأدب، ينسجم مع وظيفته الحديثة في خدمة المجتمع الإنساني عامة، والمجتمع المغربي العربي خاصة.
وعندما يصبح عندنا أدباء يقدرون واجباتهم الإنسانية نحو شعوبهم، ويعيشون لأداء هذه الرسالة بإخلاص .. عند ذلك سيتحول تاريخنا في اتجاه ثورته الاجتماعية الكبرى.