فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهذا القلق تجلى، بصورة عامة في الضعف الذي اخذ يسري شيئا فشيئا للخلافة العباسية، وفي تفككها وانقسامها، كما تجلى في عدة ثورات قامت في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فالبربر في المغرب انساقوا مع دعوة الخوارج وأسسوا عدة دول، والشيعة في الشرق ما فتئوا ينتفضون، وثورة الزنوج والقرامطة ما هي إلا مظهر من مظاهر القلق الاجتماعي الذي يكاد يشابه في شكله الثورات الاشتراكية.
لقد خلق الإسلام في نفس الشعوب آمالا، واحيا فيها مطامح، وحركها للوصول إلى مثل عليا ما فتئ الإنسان يتطلع إليها، وعاد من المستحيل أن لا يتأثر التاريخ بتلك الطاقة الثورية التي حملها الإسلام، فاتجاه التاريخ في عهد الدولة العباسية مقيد، ولاشك، بتلك المطامح التي كانت تحملها الشعوب الإسلامية.
وهنا تعترضنا مشكلة جوهرية: إذا كانت هذه النظرية صحيحة، فما بال ذلك الاتجاه الذي لاحظناه في تاريخ الدولة العباسية لم يصل إلى أهدافه؟ وما بال الشعوب الإسلامية ظلت على ما هي عليه لم تحقق أي مطمح من مطامحها، بل إنها سارت نحو التدهور والانحطاط؟
سؤال لا ينفي وجود اتجاه في التاريخ وإنما يلاحظ أن ذلك الاتجاه يظل بعيدا من أهدافه، ومعنى هذا أن التاريخ يسير نحو وجهته، ولكنه يسير ببطء لا نسبة بينه وبين عمر الإنسان.
بحيث انه قد تمر أجيال وأجيال بل قرون وقرون دون أن يظهر للتاريخ اتجاه في سيره، وقد تتعدد الأحداث والثورات دون أن تصل إلى نتيجة، بل ربما تدهورت الأحوال وسارت من سيء إلى أسوا، وهذا ما حصل بالضبط في تاريخ الدولة العباسية، حيث تكاثرت الأحداث بشكل فوضوي قد يحار فيها المؤرخ.
ومع ذلك، فلا يصح لنا أن نقول أن التاريخ العباسي لم يكن له اتجاه، بل الأولى أن نتساءل هل لم يكن هنالك اتجاه يعمل عمله في الخفاء، وسواء تحققت المطامح التي يحملها ذلك الاتجاه أم لم تتحقق آنذاك، فالذي يهمنا الآن هو أن نعلم أن تلك المطامح هي التي كانت تحرك التاريخ وتغذيه بالأحداث وتضع أمامه أهدافا وقبلة.
وعدم تحقيق تلك المطامح إنما يرجع إلى كون الدولة الإسلامية عجزت في النهاية عن تطبيق النظام السياسي والاجتماعي الذي أتى به الإسلام، وبذلك فقدت قوتها المعنوية وسارت في منحدر التدهور والانحطاط وهذا الانحطاط إنما يصور لنا اليأس الذي أصبحت تعيش فيه الشعوب الإسلامية، بعد أن ظلت حقبة من الزمان يحدوها الأمل والثقة والحماس.
فهو في الواقع يقدم لنا صورة معكوسة عن اتجاه التاريخ، صورة تبين لنا أن الأمم إذا لم تساير التاريخ فغي اتجاهه ولم تقبل سنن التطور الاجتماعي، فإنها تنحل وتنهار، وتفقد شخصيتها كأمة، وتعيش في غيبوبة قد يطول أمدها.
حقا أن كفاح الشعوب الإسلامية من اجل العدالة والديمقراطية لم ينته في العصر الوسيط إلى نتيجة حاسمة، ولكن يبقى مع ذلك أن ذلك الاتجاه وتلك الأهداف لم تمت، ولم تفقد قوة جاذبيتها بالنسبة لكمل الشعوب، إسلامية كانت أم غير إسلامية.
وانحطاط الشعوب الإسلامية ليس معناه أن التاريخ توقف في سيره أو تحول عن وجهته، إنما معناه أن المشعل سينتقل من يد طائفة من الأمم إلى طائفة أخرى، من يد الشعوب الإسلامية التي لم تستطع إقرار الحكم الديمقراطي إلى يد الشعوب الأوروبية التي سيساعدها التطور والظروف على أن تخطو خطوات واسعة في هذا السبيل.
وهذا لا يدل مطلقا على تفوق خاص يمتاز به الأوروبيون وإنما على كون الأوروبيين توفرت لديهم كل الشروط التي سهلت عليهم تحقيق ما عجزت عنه الأمم السابقة، على أن الأمم الأوربية قد استفادت كثيرا من التجارب التي عاشتها الدول الإسلامية.
ومهما يكن، فان تاريخ الدولة العباسية، رغم الظواهر، يدل على وجود اتجاه وأهداف كانت الأمم الإسلامية تنحو إليها وتكافح من اجلها، وهذا ما يلحم ذلك التاريخ ويجعل له معنى ومغزى.
على أننا إذا تركنا الدولة العباسية وكل دول العصر الوسيط والقديم وانتقلنا على العصر الحديث، فسيظهر لنا بصورة أوضح وانصع أن للتاريخ اتجاها محتوما يسير نحوه رويدا رويدا، ولكنه لا ينحرف عنه، ولربما تناولنا في مقال قريب هذا الموضوع على ضوء أحداث العصر.