فهرس الكتاب

الصفحة 4183 من 5287

موتها ليصرف عما كان قد آمن به واعدا نفسه للتضحية من أجله، وهو بعد لا يزال في فورة الشباب الأولى، فلم يزغ قلبه عن التعلق بروحها، بل لقي على ذكراها محافظا ولذكراها منشدا وظل يتخيلها أمامه وتصورها له نفسه الوفية الشاعرة فيسرع إلى القلم ليرسم منظرها في مذكراته بهذا النثر الشعري الجميل:"تلك الريحانة التي أنبتتها في سبيلي أنامل الحياة ها هي تنظر إلي بعينيها الجميلتين بأحلام الملائكة ثم تشير براحتها الجميلة الساحرة وبأناملها الدقيقة الوردية ثم ها هي تطبع على ثغري بشفتيها المعسولتين رحيق الحياة" (5) .

وثاني مظاهر هذه النزعة الإنسانية المشتركة بين الشابي وشعراء المهجر يتجلى في جانب الحزن والألم، جانب كله شك وحيرة، وتشاؤم وأنين، ودموع وزفرات، ولا شك أن شعراء المهجر في هذا المظهر قد تأثروا بمذهب ديكارت في الشك، وبفلسفة أبي العلاء الناقمة، وبالمدرسة الرومانتيكية الغربية التي تمجد الألم والبكاء، ونرى أن أبدع الأغاني ما تسير بالأسى (6) والحزن، وربما كان فوزي المعلوف أصدق ممثل لهذه النظرة الكئيبة اليائسة في الحياة، فهو يقول:

عشت بين المنى يراود نفسي

خلب من طيوفها وعقام

اقتنيها وفي يدي فؤادي

ثم الوي وفي يدي حطام

أي حلم سكبته ذهبيا

لم يذبه بنارها الأيام

ورجاء حبكته من خيوط الن

ـــور لم ينسدل عليه ظلام

أي عود حملته للتلهي

لم تقطع أوتاره الأيام

ونشيد وقعته للتأسي

لم يكره بالأنين الغرام

أي كأس قربته من شفاهي

لمتحل حنظلا عليه المدام

وفؤاد ذوبت فيه فؤادي

لم يصنع عنده لعهدي زمام

ضاع عمري سعيا وراء رسوم

خططتها في الشاطئ الأقدام

عشت ابني على الرمال وهل يثبـ

ــــــت ركن له على الرمال دعام؟

وإذا كان الشعور بالغربة والحنين إلى الوطن الذي كان يرزح تحت نير الطغيان قد دفع الشعراء المهجريين الى السير في هذا النحو، فكذلك كان الشابي ككل العباقرة والموهوبين الذين يسبقون جيلهم فلا يعترف بهم لأنه لم يؤلف مت يدعون إليه، غريبا في وطنه ووحيدا بين قومه الذين كانوا لا يفهمون فنه، فلم يلبت أن رماهم بالغباء وكره النور وعدم تقديرهم لما كان يريق من رحيق نفسه وينضد من أزاهير قلبه، فلقد مزقوا تلك الباقة التي قدم لهم وداسوها، كما حطموا الكأس التي عصر لهم فيها خمر نفسه، فهو يقول في غمرة الثورة:

أيها الشعب ليتني كنت حطا

با فأهوى على الجذور بفأسي

ولا يرى الآخر الأمر حلا غير اعتزال شعبه يائسا حزينا:

ها أنا ذاهب إلى العاب يا شعـ

ــــبي لأقضي الحياة وحدي بيأسي (7)

ولا شك أن الشابي أخذ يحس الغربة منذ أيام دراسته فقد كان في طليعة الثائرين على مجتمع الزيتونة المتزمت الذي كان يرى في الأدب لعبا ولهوا لا يليق بالطلبة والعلماء، ولكنه كان شغوفا به يقرأه ويدرسه وينشئه في غفلة من شيوخ وعلى مسمع منهم ومرأى مما عنف اختلافه معهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت