فهرس الكتاب

الصفحة 4249 من 5287

كان يختم القرآن كل ليلة، وسعيد بن عمران القرطبي كان ابوه من التجار المياسير وكان في صباه منهمكا في البطالة ثم تاب وتصدق بأكثر ماله ثم خرج للحج وتعبد حتى اصبح منقطع النظير في النسك والزهد، وسعدون بن اسماعيل الربى كان من الزهد والتقلل بحيث لم يتزوج ولا اشتغل بشيء من الدنيا طول حياته، واحمد بن يوسف بن مؤذن الوشقي انفق اكثر ماله في استنقاذ أسارى المسلمين، فيذكر انه فك من اسر العدو مائة وخمسين سبية.

وقد تزايد وجود مثل هذه الشخصيات في الأندلس ولا سيما بعد أن اشتغل بعض الرحالين من الاندلسيين الى المشرق بجمع سير عباده وزهاده، ولعل أول كتاب في ذلك يؤلفه أندلسي هو كتاب محمد بن وضاح المتوفي سنة 287 وعنوانه"العباد والعوابد"ولعله هو أول ما فتح قلوب الأندلسيين وأرواحهم الى تلمس اخبار زهاد المشرق ومتصوفيه.

وفي هذا العصر بدأت معالم التصوف الأندلسي تتحدث شيئا فشيئا فنحن نرى الشعب يتجه بكثير من الإجلال والتعظيم لهؤلاء الصالحين، فتردد عنهم اخبار تؤكد أنهم كانوا مستجابي الدعوة، وتطور الامر حتى بدأت نسبة الكرامات اليهم، وبدأت تسميتهم بالابدال وأولياء الله.

ولعل من أول هؤلاء، الزاهد ايوب البلوطي الذي احتفظ لنا ابن سعيد في كتاب المغرب بخبر عنه يقول فيه: أن قاضي الجماعة بقرطبة مسرورا بن محمد في أيام الأمير عبدالرحمان الأوسط خرج بالناس لصلاة الاستسقاء فلما أتم خطبته قال: يا أيوب البلوطي عزمت عنك حتى كنت لتقومن، فلم يقم أيوب اليه الا بعد أن أقسم عليه في الثالثة وقال: يا هذا، أشهرتني، أما كنت ادعو حيث أنا؟ ثم رفع القاضي رأسه فقال: اللهم انا نستشفع إليك بوليك هذا، والح بالدعاء وكثر الضجيج والبكاء، فلم ينصرفوا إلا وأخذ يتهم في أيديهم من كثرة المطر، وطلب أيوب بعد ذلك فلم يوجد، ويؤثر عن أبي العنجس الزاهد الاستجي خبر يماثل ذلك ويقال انه كان يركب اثانة حتى ياتي مجشر حريش بقرب قرطبة فيطلق الآتان ترتع ويصلي إلى الصبح فلا يعدو عليها ذئب ولا غيره فإذا أصبح عاد إلى منزله.

ويقال أن عبدالله بن عبدالسلام بن قلمون القرطبي المتوفي في أواخر القرن الثالث أنه لقن العباد في المشرق وجاور بمكة فلم يزل على منهج الابدال حتى لقي الله وهو بأرض الغربة.

ويذكرون عن يوسف بن سليمان القرشي البطليوسي انه كان مقربا للثائر في هذه المنطقة على بني امية عبدالرحمن بن مروان الجليقي، ثم سعى به الى ابن مروان فهم بقتله، واقبل يتدبر امر اغتياله فما هو الا ان وقعت في ذلك النهار سبع صواعق على بطليوس وقعت إحداهما في ركن مجلس ابن مروان الذي كان يجلس فيه فارتاع لذلك ارتياعا شديدا وظن انه نذير للذي هم به في الرجل الصالح فكف عنه.

وكان أبو وهب القرطبي على ما يذكر المترجمون له معروف الكرامات معدودا في الإبدال، وقد ظل قبره في قرطبة مشهورا يتبرك به حتى فتح النصارى قرطبة سنة 633 بشهادة ابن الابار.

وكان قاسم بن ثابت السرقسطي ورعا ناسكا فاريد على أن يلي القضاء بسرقسطة فامتنع، وأراد ابوه اكراهه عليه فسأله أن يتركه يتروى في أمره ثلاثة ايام فمات في هذه الأيام سنة 302، ويقال انه دعا الله ان يقبضه اليه فاستجاب دعوته.

أما لفظ"الابدال الذي اشرنا الى شيوعه في هذه الفترة فلعله أول مظهر لدخول الاصطلاحات الصوفية المشرقية الى الأندلسن ويقصد به هذا النفر من الرجال الصالحين الذين يقون العالم شر غضب الله ونقمته عند فشو الخطايا فيهم، ولعل شر، ولعل من أول المباحث الاسلامية حول هذا اللفظ ما نراه فيما كتبه الجاحظ عنهم في رسالة التربيع والتدوير، وقد اختص الصوفية هذا الاصطلاح بكثير من الاهتمام، فأسهبوا في العصور المتأخرة في الحديث عن توزيعهم على الاجيال الزمنية وعلى الأقاليم السبعة وغير ذلك مما نرى تفصيله في الفتوحات المكبة لابن عربي."

ومن هذه المظاهر كذلك اقامة اربطة صغيرة يقيم فيها النساك والعباد افرادا وجماعات، للعبادة والتأمل، أو للجهاد والمرابطة، ويحدثنا الخشني في كتاب تاريخ قضاة قرطبة ان محمد بن بشير المعافري الباجي حينما دعى الى تولي القضاء بقربة في عهد الامير الحكم بن هشام (في أواخر القرن الثاني الهجري) اقبل وهو لا يعلم ما يراد به، فلما صار بسهلة المدور مال إلى متعبد هناك كان يقيم به صديق له من النساك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت