فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
حاضرة ملكه في مدينة نياني على ضفاف أحد روافد نهر النيجير. ولم تمض خمسة عشر عاما حتى كانت مملكة مالي تحد بأدرار شمالا، وساحل العاج جنوبا، والأطلس غربا، والصحراء الجزائرية شرقا. بحيث كانت تضم عددا وافرا من الأقاليم الإفريقية الحديثة. ومات سوندياتا بعد أن ترك مملكة منظمة يسودها الهدوء والنظام.
وقد بلغت إمبراطورية مالي أوج عظمتها على عهد الملك كونكوموسي وحفيده من بعده سليمان. ولهذا وجب أن نقف بعض الوقت لمعرفة أخبار هذين الملكين العظيمين اللذين طبقت شهرتهما المشرق والمغرب لاتساع سلطانهما وعلو مقامهما في ذلك العصر.
إنه كونكوموسى من سليل سوندياتا المتقدم الذكر وقد حكم خمسا وعشرين سنة، أبدى فيها حكمة ومهارة فائقتين، فوحد الشعوب المتنافرة التي كانت تتساكن تحت كنفه، وأقام العدل والنظام ونشر الرخاء وشجع العلم وربط علاقات ودية مع كافة الدول المشهورة في عصره. وما عتم أن أصبحت مالي مملكة مزدهرة يقصدها القاصي والداني، وتجري بها حركة تجارية في منتهى النشاط.
وكان لكونكوموسى براعة نادرة في التنظيم، مما جعل إدارته وجيشه ومالية الدولة على عهده محط الإعجاب وكانت إمبراطورية تحتوي على 400 حاضرة، وكان يعنى مزيد العناية بهذه الحواضر موصيا بأن تكون كل واحدة منها"قاعدة للملك". وهكذا فإن الحواضر المالية على عهد كونكوموسى كانت تمتاز بالذوق والزخرفة فكانت المنازل حائطة بالحدائق والجنان، وكانت الطرقات نظيفة والمدن مليئة بالجوامع والمساجد. وكانت المتاجر تعرض صنوف البضاعة من كل فوج وإقليم. وكان الناس يعيشون في نعمة ظاهرة تدل عليها الأقمشة الحريرية والصوفية والقطنية التي كانوا يرتدونها والحلي والمجوهرات والألماس التي كانت تتجمل بها نساؤهم اللائي كن معروفات بالجمال والذوق وحسن المعاشرة.
كان كونكوموسى يسكن قصرا فخما يحتوي على عدة أروقة وساحات يحيط بالكل جدار. وكان القصر يشتمل على كافة صنوف الأبهة المعروفة عند الممالك العريقة في المجد. وكان كونكوموسى يتقن العربية، وله خزانة كتب نفسية، وكان يقرب العلماء ويفسح لهم مجلسه ويكرمهم.
عرف كونكوموسى في المشرق لما قام بفريضة الحج، فبقي ذكر زيارته للأماكن المقدسة عالقا بالأذهان عدة أجيال، لما أظهره من فخامة وأبهة وسخاء. لقد حج في ركبه عشرة آلاف من أبناء مالي وقيل ستون ألفا، وحمل معه الأكياس من الهدايا والتحف والذهب ومر في طريقه إلى الحجاز من والطا وتوات وصحراء الجزائر وبرقة ثم مصر. وقد أغدق على سكان البقاع المقدسة من ضروب الهدايا ما لم ينسوه أبدا. ولدى عودته صحبة بعض الفقهاء نذكر منهم الشاعر الأندلسي أبا اسحاق إبراهيم الساحلي، كما تزود بعدد وافر من الكتب وخاصة ما يتعلق منها بمذهب الإمام مالك الذي كان متضلعا فيه.
وحين اقترب كونكوموسى من حاضرة ملكه أخبره ساعي البريد بينه وبين خليفته أن هذا الأخير قد ألحق مملكة جديدة لمالي وهي مملكة سوغاي التي سيكون لها شأن وسنتحدث عنها. فزارها وبنى بعاصمتها مسجدا ثم خرج بعد أن أخذ ولدي ملكها رهينة عنده. ومر كونكوموسى في طريقه كذلك على تنبكتو التي كانت دار علم ومدنية زاهرة في ذلك العصر. وقد اختارها الساحلي دار إقامته إلى أن وافته المنية.
وكانت علاقات مالي بالمغرب على أحسن حال، فكانت التجارة مزدهرة بينهما وكانت لكونكوموسى علاقات ودية مع الدولة المغربية، فقد بعث بوفد إلى السلطان أبي الحسن المريني لتهنئته بفتح تلمسان وحمله عدة هدايا، فرحب السلطان بأعضاء الوفد، ووجههم إلى صاحبهم بالهدايا والتحف، وبعث معهم وفدا مغربيا لم يصل إلى مالي إلا بعد ممات كونكوموسى.
وفي عهد هذا الملك كانت الحركة العلمية مزدهرة فكان العلماء والفقهاء يفدون على مالي من كل أماكن العلم: فاس، القيروان، القاهرة. وكان عدد الطلبة في ازدياد، إما يتلقون العلم في تنبكتو وكاغو وغيرهما من المدن التي كانت لا تقل مجالسها عن مجلس أكبر العواصم العلمية في العالم الإسلامي إذ ذاك، وإما كانوا يرحلون إلى هذه العواصم نفسها.
لقد ترك كونكوموسى ملكا راسخا الأركان بقي يشهد بعظمته حتى قال أحد المؤرخين: أن القرن الرابع عشر في السودان ينبغي أن ينعت بقرن كونكوموسى.