فهرس الكتاب

الصفحة 4571 من 5287

التي لا تنحصر حقا في نطاق موضوعي معين، وإنما تمتد بصورة لا متناهية إلى مختلف الآفاق التي تتصل بالأحوال العالمية الراهنة على وجه عام، والواقع أننا إذا ما فحصنا الموضوع من جميع مناحيه، وبشكل شامل، فإنه لابد أن نلاحظ في مطاويه الكثير جدا من عناصر التشعب والتعقيد الذي يصل أحيانا إلى درجة بعيدة حقا، ومنشأ التشعب هذا يؤول إلى نقطة أساسية لها قدر من الأهمية في هذا المقام، وهي هذا الارتباط المتين الدقيق بين تطورات العلم من جهة، وتطورات الحياة العالمية من جهة أخرى، ذلك أن الملاحظ أساسا، أن هناك نوعا من التفاعل الشامل الدائم يوجد بين حياتنا الواقعية من جهة، وبين الحياة العلمية الاستكشافية من ـ جانب آخر، فيقدر ما يزداد التطور العلمي سرعة وتلاحقا، بقدر ما ينعكس ذلك على صعيد الحياة الفردية والجماعية التي نعيش في ظلالها سواء في هذا الجزء أو ذاك من أجزاء العالم ـ وإن كان ذلك يتم بصورة متفاوتة بحسب نصيب كل قطر من التطور العلمي أو استعداده للتأثر بنتائج الاكتشاف العلمي، وما ينبثق عنه من منجزات تقنية عملية ـ وعلى العكس من الصورة الأولى فإنه بمقدار ما نزداد تطورا وارتقاء من الناحية الاجتماعية والحياتية بوجه عام، بقدر ما يؤثر ذلك على واقع التطور العلمي العملي، ويمد العلماء بالحوافز النفسية اللازمة للعمل على مضاعفة هذا التطور، وتوسيع دائرته، وتمديد نطاقه على أضخم وجه ممكن، فالتفكير في استكشاف الفضاء مثلا كان ـ في مبدئه ـ حلما دائما من أحلام الإنسان وأمانيه، وقد بذلت من قبل وحتى قبل هذا القرن بكثير محاولات فردية وجماعية في ميادين الصواريخ الموجهة مما يمكن من الاعتقاد بأن الأمر في هذا المجال كانت تتحكم فيه جملة من الأهداف العلمية الأصيلة، إلا أن الأمر في عصرنا الحاضر قد تداخلت في مطاويه كثير من العوامل السياسية الدولية الطارئة حيث أصبح لها تأثير وأي تأثير على سير العمليات الاستكشافية الحالية سواء باعتبار المراحل السريعة التي ما فتئت تقطعها، أو بالنسبة للأهداف العديدة المتوخاة منها، والعوامل السياسية الدولية هذه ـ بما أصبح لها من تأثير على توجيه البحث العلمي سواء في ميدان غزو الفضاء، أو التوسع الذري بجميع فروعه السليمة والحربية ـ هذه العوامل تتصل ـ هي بدورها كذلك ـ بمركب متشعب من المؤتمرات الاجتماعية والنفسانية والفكرية والاقتصادية المرتبطة شديد الارتباط بمعطيات الصراع العالمي بين الشيوعية الأممية من جهة، وبين القوى الرأسمالية والقومية من جهة أخرى، والملاحظ ـ بهذا الصدد من أروع مظاهر التقدم العلمي الإنساني كالمحركات الذرية مثلا (ومن نماذجها: الغواصة الأمريكية «النوتيلوس» المتحركة ذريا، والتي استطاعت أن تضرب رقما قياسيا في اختراق القطب الشمالي، وتقريب مسافة السير بين القارات الشمالية الأرضية) إن من أروع مظاهر هذا التقدم ما أصبح بالقوة أو بالفعل، مندمجا في إطار المشاكل المتصلة بهذا الصراع، بل وموجها في بعض الأحيان لكي يصبح عاملا أساسيا من عوامل الحرب الباردة أو الساخنة، وأداة من أدواتها الفاعلية الرئيسية.

وفي الكثير من الحالات فإن الخطوات الأولى للتقدم في مجال من مجالات العلم أو فرع من فروعه، هذه الخطوات كانت تتم غالبا بصورة فردية، وكنتيجة للمجهودات الخاصة لبعض الرواد العباقرة الذين تحدوهم إلى ذلك بعض الأغراض العملية السليمة، أو تحفزهم ـ بهذا الصدد ـ على الأقل ـ مجرد أهداف استكشافية بريئة يثيرها حب المعرفة والاستطلاع، على أن هناك حقيقة بعضا من هؤلاء الرواد الذين لابد أنه كانت تتحكم فيهم نوازع انتفاعية تدفعهم إلى إجراء تجاربهم وأبحاثهم لكي ينفذوا من ذلك إلى الحصول على مكاسب مادية أو معنوية، فتلك «لازمة» نفسانية من الطبيعي أن تكون ذات تأثير على اتجاه هذا الفريق أو ذاك من العلماء القدامى ـ وأن كان هذا التأثير يختلف قوة وضعفا، ويصل أحيانا ـ كما هو الشأن في عصرنا الحاضر ـ إلى درجة ما من الانتهازية الاستغلالية الرخيصة.

إن القضية التي تثيرها هذه الظواهر من حيث الأساس تتخلص في أنه من اللازم أن نضع حدودا بين الاتجاهات العلمية الأولى التي لم يكن الحافز عليها ـ كثيرا ـ إلا مجرد الحرص على الاستطلاع، أو الانتفاع أو شيء من هذا القبيل، وبين الاتجاهات الحالية التي يستغل أصحابها جملة الحقائق العلمية المكتشفة منذ قديم، ويبنون عليها للتوصل إلى حقائق جديدة من شأنها أن تؤدي ـ في بعض الحالات ـ إلى تخريب الحضارة والعمران على وجه هذا الكوكب الأرضي، أو تحطيم البعض من مظاهرهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت