فهرس الكتاب

الصفحة 4670 من 5287

وقد أعان أنصار اللغة العربية في القضاء على دعوى العامية عوامل كثيرة، منها أن اللغة العربية واجهت في العصر العباسي مثل ما تواجهه اليوم عندما ترجمت إليها مؤلفات الرومان واليونان، فقد استطاعت أن تستقبل عشرات ومئات من المصطلحات دون أن يعجز ذلك، وأن عشرات من أعلام الغرب الذين درسوا اللغة العربية قد اعترفوا بعظمة هذه اللغة وكمالها وقدرتها القادرة على تقبل كل تطور والاستجابة لكل عصر.

وكان من عوامل ضعف الدعاة إلى العامية أنهم لم يستطيعوا أن يكتبوا بها أو أن يحققوا نموذجا صالحا لما يدعون إليه، وقد حاول لطفي السيد في الماضي وطه حسين في القريب الكتابة بالطريقة القديمة جدا التي تدمج الشكل في الكلمات، غير أن هذه الدعوة قد لقيت السخرية والامتهان كما لقيت دعوة الكتابة بالحروف اللاتينية التي دعا إليها عبد العزيز فهمي وكان قد سبقه إلى الدعوة إليها كثيرون.

وشارك المغرب ماسنيون إلى العامية والكتابة بالحروف اللاتينية عام 1928 في أندية الشباب العربي في باريس ولقي معارضة كبيرة، كما وجد المستشرق كولون ردا عنيفا على دعوته من الكاتب العربي المغربي عبد الله كنون.

وقد حملت معركة الهجوم على اللغة العربية روح التعصب والغرض والهوى، ولم تكن خالصة صادقة، وقد واجهتها مقاومة علمية صارمة قائمة على أساس من التفكير العلمي الخالص، ومن أهم أسسها:

ـ إن الفرق بين لغة الكتابة ولغة التكلم عندنا نيس بالشيء الكبير، وقد لا يكون أكثر من الفرق بين لغة كتاب الإنجليز ولغة عامتهم.

ـ إن الناطقين باللغة العربية تختلف لغتهم العامة باختلاف الأصقاع، والفرق بين لغة مصر والشام ليس بأقل من الفرق بين الفصحى والعامية، فاستبدال العامية بالفصحى يحرم كل قطر من الانتفاع بإنتاج القطر الآخر.

ـ إن إغفال الفصحى يستوجب إغفال كل ما كتب عنها من العلوم منذ ألف وأربعمائة عام وهي خسارة لاحد لها.

ـ الوحدة بين أجزاء العالم العربي قائمة بالمحافظة على اللغة الفصحى، إذ لولا القرآن لتشتت شمل الشعب العربي.

ـ إن اللغة العامية منحطة لانحطاط عقول الناطقين بها ولا تقوم مقام الفصحى في اللغة العربية التي هي بشهادة المنصفين أرقى لغات العالم.

وقد كشف المنصفون عن عظمة اللغة العربية واتساعها وكثرة ألفاظها وتعدد معانيها وقد أمكن حصر مائة ألف مادة من كلامها مما لا يمكن معه وصفها بالقصور، كما أشاروا إلى اتساع مجالها لأغراض الكتابة وفنون البلاغة من أطناب وإيجاز وتصريح وتلميح واستعارة.

وإنها قد خاضت معركة الترجمة من اليونانية والهندية إبان العصر العباسي حيث استطاعت أن تستوعب كتب الطب، والحكمة، والحيوان، والنبات، والكمياء، والحيل، والرياضيات، والفلك، مما لا يقع تحت حصر، ولم يستعص عليها أي مصطلح.

وشهد للغة العربية كبار مفكري الغرب ـ حتى من بلغوا غاية التعصب ضد الإسلام والعرب، مثل «أرنست رينان» الذي سجل في كتابه (تاريخ اللغات السامية) أن اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وإن هذا عنده من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حله، وقد انتشر سلسلة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، إذ ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها النصارى.

وقال شبنجلر في كتابه، انهيار الغرب: إن اللغة العربية لعبت دورا أساسيا كوسيلة لنشر المعارف وآلة للتفكير في خلال المرحلة التاريخية التي بدأت حين احتكر العرب على حساب الرومان واليونان طريق الهند.

وقال العلامة فريتاغ الألماني أن اللغة العربية ليست أغنى لغات العالم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العد، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا ونحن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت