فهرس الكتاب

الصفحة 474 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 30

وموازين الأحجام، كل ما يحويه حتى الأشياء الدقيقة-التي يعجز عن رؤيتها أكبر الميكروسكوبات الالكترونية في أكبر المراصد، وأعجب المختبرات العقلية- تبرز عارية، واضحة، صافية، مشرقة وقت هذا الهيجان الروحي الذي يستولي على الفنان فيعتقه من سلاسل ذاته الأرضية فيرى أشياء لا يمكن أن يشاركه في رؤيتها كل الناس، وينفعلوا بها كما ينفعل هو بها ويعيشها.

والذين تمرسوا بالإلهام من أدباء وشعراء وموسيقيين ونحاتين وراقصين وغيرهم، يعلمون هذه الغيبوبة الروحية التي تكشف عن عوامل من الجمال، والمتعة، والنشوة الهاجعة فينا، وفيما حولنا. ولا يطيب لهم الاستمتاع بلذة هذه الغيبوبة إلا إذا هم شاركوا غيرهم فيها ممن لا يستطيعون رؤية هذه العوالم المحجوبة عن بصائرهم. إذن لا لوم على أعداء الخيال ولا تثريب. فالنسر المرفرف في رفيف النجوم، لا يتقله ظله الملقى على الأرض، والزهرة عندما تطلق عبيرها عفوا، لا تفكر فيمن سيستنشق هذا العبير، وهو في طريقه صاعدا هابطا إلى الحقول والجداول والجبال.

مجدوا معي الخيال. مجدوه في كل ما تنظرون، وتلمسون، وتحسون، وتسمعون وتحدسون.

مجدوه في قطرة المطر التي تحمل إليكم أسرار البحار، والجبال، والزهور وعروق الغدران، وانباض الصخور، وخفقات الجذوع، وجذور الظلال. وهي فيما تحمل أسرار إنما تحمل إليكم أشواقكم ونزعاتكم. وأرهفوا أذانكم لسماع هذه الأسرار العجيبة التي تحدثكم من بعيد الأزمان، وشاسع الآفاق، بلسان من ذوب السحر الحلو. واملأوا بجمال هذا الحديث نفوسكم. لأنكم قبل أن تستووا بشرا، كانت ذواتكم موزعة مبثوثة في هذه الآفاق التي تطلع عليكم. وما هذه الآفاق إلا انتم أنفسكم على أشكال وصور وألوان أخرى. فشعورنا بالشعاع الذي يجوب الكون، وكل ما في الكون، هو دليل على وجود إحساسنا في كل شيء يتألف منه الكون، حتى النسيم الحالم بالعاصفة بين الأغصان. فلنفتش عن حقيقة أنفسنا وأشواقها ونزعاتها وأحلامها.

لنفتش عنها في دروب الحياة. ولنجنح إلى هذه الدروب على رجوحة الخيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت