فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 40
رجع إلى المنزل وهو يتلذذ، معيدا إلى ذاكرته ما التقطه من أخبار عن الحركة التحريرية في البلاد، وألقى بنفسه على أقرب فراش إليه، إلية، وانبسط على ظهره، وشعر في هذه اللحظة بعياء يدب في جسده، انبسط، وكأنه كان على كاهله عبء ثقيل يريد أن يريح نمه نفسه، وتنفس الصعداء، وأغمض عينيه برهة، ثم فتحها باسما، وارتسم على محياه من الغبطة، أن البلاد أمست بين قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مبتغاها الأسمى، فكيف لا يغتبط لهذا الخبر الكريم وينسى ما به من عياء؟ غمرته نشوة النصر فوقف يعبر الغرفة بين ذهاب وإياب، والأفكار تتلاطم في رأسه أنه يعيش أمنيته وهي لم تتحقق بعد ... وما لبث أن سمع زغاريد النسوة تأتيه من شرفة، تلك الشرفة التي كان يأتيه من خلالها عويلهن كلما أتت الشرطة لتفتيش منزل في الحي أو لإلقاء القبض على أحد الجيران.
فأسرع إليها ليرى ... رأى الناس يتبادلون التهاني، والفرح يغمر قلوبهم، كانت الشمس مشرقة، والنسيم يهب عليلا، وإذا رفعت نظرك إلى السماء وجدت أديمها الأزرق قد وشته هنا سحابات وردية اللون، لقد تحققت الأمنية المنشودة وصارت واقعا ملموسا بعد أن كانت سرابا. وطغت الفرحة على المواطنين، فأحالوا أيامهم إلى أعياد ينتقلون بينها من عيد إلى عيد.
وأخيرا، انتهت الحفلات والأعياد، واستأنف الناس حياتهم العادية.
لكن الإنسان اعتاد التطبع فلا يلبث أن يجد نفسه تحت رحمة عوامل خارجية تعكر صفو حياته إذا تنكر لعادته، شأن ساكن الوادي الذي أراد أن يتسلق الجبل لكي يستنشق الهواء النقي، ويستبدل مناخا بمناخ، ويعيد إلى نفسه ما فقده نشاط وحيوية، لكن كلما ارتفع في تسلق الجبل، شعر بتكاثر خفقان قلبه، ودوران رأسه، نتيجة الهواء النقي الذي لم يعتد تنفسه، فلا يدري هل أصاب أم أخطأ عند ما فكر في صعود الجبل ... أن عليه إذا أراد أن يستفيد من نقاء الجو، أن يتحمل هذه المرحلة بأناة على أن يتطبع بالمناخ الجديد
وجد صاحبنا نفسه في موقف شبيه بهذا عند ما أشرقت شمس الحرية على البلاد، فاختلط لديه الحابل بالنابل، ولم يعد يدري هل يعيش خياله الذي طالما أحاطه بعنايته، أم واقعه الملموس الذي كثيرا ما أحب أن يحل محاه واقعا جديدا يصنعه لنفسه، ويصبغ عليه حللا من خيال. بقي شارد النفس عندما لمس أمنيته على سطح الأرض وتحت سماء بلاده: لقد فرغ رأسه بين عشية وضحاها من تلك الصور الجميلة التي كان يعلل بها نفسه ويستمد منها قوته في عراكه من اجل هدفه الأسمى، واغتبط اغتباطا صبيانيا عندما تحققت المعجزة الكبرى، واهتزت جوانحه طربا لها وترحيبا بها.
لكن لما باغ هذه المرحلة انقلبت نفسانيته رأسا على عقب. عهدنا فيه النشاط المتوقد، والعمل المسترسل، عهدنا فيه الرجل الذي لا يخشى الصعاب، والوثوب في وجه الأخطار، لقد ابتلع الماضي ل هذا، ولم يبق منه إلا شاب ضعيف الإيمان قليل العمل متقاطعه، لا يقبل على شيء إلا ليمله.، لقد أضاع رسوم ضالته وهام على وجهه، إنه ما زال سابحا في سماء أفكاره بين السحاب المتورد اللون، حيث كانت تعيش فيما مضى الأمنية التي عمل من أجلها، فكان يستوحي منها قوته ونشاطه، لقد نزلت أمنيته إلى الأرض.
لقد تنكر البطل