فهرس الكتاب

الصفحة 4889 من 5287

لا شك أن القارئ لاحظ ظاهرة خطيرة يعاني منها مسرحنا، وهي انعدام المؤلفين المسرحيين عندنا تقريبا .. فاهم المسرحيات المعروضة مقتبسة .. إلا أن الاقتباس نفسه لا يعفي من تحمل مسؤولية الاختيار .. فهل هي مجرد (( مصادفة ) )أن تكون المسرحيات الثلاث لهذا الموسم مقتبسة، ومحورها الإضحاك ..

هل يعقل أن تصرف أهم فرقنا (( وكلها تمولها مصالح حكومية ) )جهودها وإمكانياتها، لتقديم أعمال تسلي وتضحك، من غير أن تنطوي على أفكار أو مشاكل مستوحاة من بيئتنا؟

إني لا أتجاهل -وانأ القي هذه الأسئلة- ما يمكن أن يرد به أصحاب هذه المسرحيات من انعدام الجمهور الواعي الذي يمكن أن يقبل على الأعمال الجادة العميقة، ومن اعتماد رجال المسرح على مدخول (( الشباك ) ).. كل هذه الاعتراضات لا تزيل عن كاهلهم مسؤولية توجيه مسرحنا، خصوصا إذا كانت هذه الفرق تتلقى مساعدات هامة من الدولة.

إننا لسنا في حاجة إلى التذكير بأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه المسرح في توعية وتوجيه الجماهير .. وإذا كنا نعيش أزمة ثقافية شاملة بما فيها المسرح .. فإن فرص الخروج من الورطة متاحة للمسرح، أكثر من بقية فروع الفن والفكر الأخرى .. شريطة أن يحرص المشتغلون بالمسرح عندنا على الإخلاص والجدية .. وقد أثبتت بعض المسرحيات الناجحة خلال المواسم الفارطة، إمكانية تقديم إنتاج مسرحي نظيف يتوفر على العناصر اللازمة من حيث الاختيار والتوعية والترفيه. اذكر على سبيل المثال المفتش العام لجوجول التي اقتبسها الطيب الصد يقي، والطاحونة من اقتباس احمد الطيب العلج.

وعندي أن أزمة (( المسرح ) )التي أخذت تتضح بدورها -خلال هذا الموسم- ناجمة عن عشوائية وانعدام تخطيط يقي من العثرات. ذلك أن المقادير التي تصرف على الفرق المسرحية ضخمة، ولكنها مبعثرة وغير مستغلة استغلال يضمن للعجلة أن تدور إلى الأمام.

فإلى جانب ضرورة الحرص على حسن اختيار ما يقدم للجمهور، هناك مطلب أساسي للصفوة المثقفة التي تتطلع إلى مسرح يقدم الروائع، ويتجاوب مع تطورات هذا الفن في مختلف العواصم الكبرى .. ونفس الأزمة عاشها المسرح في الجمهورية العربية المتحدة، ولكنه الآن اخذ يسير في درب حافل بالزهور والآمال نتيجة للتخطيطات الدقيقة .. فقد أعلن هذه السنة، بالقاهرة، عن ميلاد (( مسرح الجيب ) )الخاص بالمثقفين الذين يمكنهم مستواهم من تذوق روائع المسرح العالمي، وسيقدم مسرح الجيب خلال هذا الموسم الأعمال الآتية:

-لعبة لنهاية- تأليف صمويل بكت.

-الكرسي- تأليف بوجين ايونسكو

-دراسة عن المسرح انطون تشيكوف في المسرح العالمي مع مقتطفات ممثلة من مسرح تشيكوف

-القاعدة والاستثناء- تأليف برتولد بريخت

-دراسة عن المسرح الإغريقي وصداه في المسرح الحديث مع مقتطفات ممثلة

-من مسرح الطليعة المصري

إن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تساعد على بلورة ذوق مسرحي رفيع، وأن تلقح مسرحنا القومي، وتحت الكتاب على ارتياد آفاقه. وليس من الصعب البتة، تحقيق مشروع مماثل في بلادنا، لأن المسرح الرفيع قادر على فرض نفسه، وجلب المثقفين والمحترمين للأعمال الجادة .. أما الاستمرار في تقديم مسرحيات للإضحاك سعيا وراء الربح المادي، وتصفيقات الجمهور، فإنه يمهد لواد حركتنا المسرحية .. تلك التي سجلت -في السنوات الفارطة- تفوقها على بقية الأشكال الفنية الأخرى ببلادنا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت