فهرس الكتاب

الصفحة 5072 من 5287

وهذا الأسلوب يمثل طريقة خاصة، التزمها المؤلف واقتنع بصلاحيتها للموضوعات التي يعالجها، ولها (أعني الطريقة) من المبررات ما لا يقتنع به الذين يخوضون هذه الغمرات ويجمعون هذه السلسلة من المعلومات الموسوعية، وهم في الوقت نفسه يحرصون أشد الحرص على تدوينها كيفما أمكنهم التدوين ... ولو لجأوا إلى غير هذه الطريقة لاحتاجوا إلى أحقاب من الدهر لا يجود بها الزمان ... ولا يتسع لها عمر الإنسان ..

وقد تفطن المؤلف لما سوف ترمى به هذه الطريقة من سهام للنقد فصارح قراءه بالحقيقة في شجاعة وتواضع نادرين، حيث قال في مقدمة الرحلة الثانية والثالثة والرابعة:

( ... وقد حرصت على أن أودعها كل ما يلفت نظر المولعين بمعرفة الكتب. وبتراجم الرجال النابهين علماء كانوا أو رؤساء، مما أجد اسمه حديثا، ومما أقع عليه من الآثار الأدبية من نثر ونظم، ما دام مقبولا .. وإن لم يدرك الشأو العالي من البلاغة ... وبوصف المجالس الأدبية التي أراها، فأسوق ما يروق من الفوائد والإنشاءات والإنشادات، ولا قصد عندي إلا أن أنشر حسب ما في طاقتي من تاريخ هذه الجهة، التي اصطلحت بأن أطلق عليها «جزولة» ، ما أؤدي به لعشاق التاريخ المغربي العام والخاص ما يقر به الطرف ويبتهج بمعرفته الفؤاد.

وكل من لم يكن له الولوع المؤسس على كل ما اعتني بذكره فالأولى له أن لا يشغل نفسه بمراجعة هذا الكتاب ... )

هكذا في صراحة وشجاعة وتواضع يتحدث المؤلف عن رحلاته من خلال جزولة، مع أننا إذا تركنا هذا التواضع وقرأنا الكتاب نفسه نجد الواقع فوق ذلك وأبعد من ذلك ...

فالباحث في تاريخ المغرب السياسي والأدبي والعلمي يستفيد من المعلومات التي في الكتاب فائدة عظيمة الأهمية؛ فهناك من المعلومات الجغرافية والتاريخية عن إقليم سوس مالا يمكن أن يؤخذ إلا من هذا الكتاب.

ولنضرب لذلك أمثلة توضح لنا قيمة الكتاب من هذه الناحية التي تهم كثيرا من الباحثين والمثقفين بنوع خاص.

فالمعلومات التاريخية والجغرافية التي يقدمها لنا المؤلف عن:

مدينة تامدولت تلك المدينة التاريخية التي أسسها في سوس عبد الله بن إدريس منذ عهد الأدارسة في المغرب.

ومدينة إيجلي مسقط رأس محمد بن تومرت المهدي، مؤسس دولة الموحدين في المغرب.

ومدينة الغ مركز دولة أبي حسون السملالي المعروف في كتب التاريخ المغربي بلقب (بودميعة) ، والذي لعب أدوارا خطيرة في أواخر الدولة السعدية وأوائل الدولة العلوية، وامتد نفوذه من سوس إلى تفيلالت وغيرها.

كل ذلك يعد بحق شيئا عظيم الأهمية للباحثين في تاريخ المغرب الذين يريدون أن يطلعوا على تفسير حوادث التاريخ وبيان غوامضه.

هذا عن المدن، أما عن المدارس العلمية في سوس ورسالتها في نشر اللغة العربية والأدب العربي والعلوم الإسلامية فالكتاب ريان بأغرب الأخبار وأدق المعلومات التي جمعها المؤلف من أفواه الرجال، ومن نوادر المخطوطات وهو الناقد الخبير وابن سوس البار الذي أبى إلا أن يعرفنا بها ويعرف الأجيال المقبلة ...

وإلى جانب هذا نجد المؤلف يتصدى لنشأة المهدي بن تومرت ويتحفنا بمعلومات مدققة عن هذا النابغة العبقري الذي هدم عرش المرابطين بين عشية وضحاها وأقام دولة الموحدين التي كانت ثمرة كفاحه وفلسفته وتربيته وتدبيره ..

وهذه المعلومات هي أوفى وأعمق ما كتب عن نابغة سوس .. ولعلها تكون كلمة الفصل التي ترفع كثيرا من الغموض وتقضي على كل الأوهام والشكوك التي كان المؤرخون يرجمون فيها بالغيب من غير تحقيق ولا تمحيص .. المغاربة منهم والمشارقة .. والأوربيون ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت