فهرس الكتاب

الصفحة 5147 من 5287

لاستخراج المعدلين السنويين المذكورين. ومن المعلوم أن الميلمتر من الماء يعادل لترا واحدا لكل متر مربع.

وتتبين أهمية التيار السطحي بالبوغاز كما تقدم ذكره إذا علمنا أن ذلك التيار ضروري لبقاء البحر الأبيض المتوسط فقد قدر العلماء أن التبخر الملحوظ بالبحر من شأنه أن يؤدي به إلى الجفاف التام في مدة لا تزيد على أربعمائة وعشرين عاما لولا ذلك التيار الذي يأتيه من المحيط بثلاثة وعشرين من الأمتار المكعبة في الثانية، ولولا هذا الحجم العظيم من الماء لأصبح البحر الأبيض المتوسط عبارة عن هضبة من الملح يبلغ ارتفاعها سبعين مترا.

ولقد قلنا سواحلنا على البوغاز تعتمد اثنين وأربعين ميلا فيما بين رأس"أشقار"بطنجة ورأس الميناء بسبتة وهو ما يعادل بالضبط ستة وسبعين كيلومترا وثمانمائة من الأمتار، ولما كانت شواطئنا تمتد على مسافة ألفين وثلاثمائة وعشرة من الكيلومترات فيما بين السعيدية بالبحر الأبيض والحدود الجنوبية العمالة طرفاية مع الساقية الحمراء من أراضينا المحررة على المحيط نسبة سواحلنا على البوغاز بالقياس إلى هذا الامتداد لا تزيد على ثلاثة وثلث في المائة (*) .

نظرة تاريخية

ومن المحقق أن سكان حوض البحر الأبيض المتوسط قد مارسوا الملاحظة من أقدم العصور فجابوا السواحل قبل أن يغلوا في عرض البحر وخاصة في القسم الشرقي منه، وذلك لكثرة الجزر فيه واعتدال مناخه. ولم تكد تحل الألف الثالثة حتى أصبحت شعوب هذه الجهات تتوفر على قوارب متينة تحتمل العواصف والأنواء. وقد قام سكان شواطئ بحر أيجة بتحسين صناعة القوارب المصرية، إلا أن الفضل الأكبر في تقدم الملاحة يرجع إلى صور كما هو معلوم.

ولما تحسنت وسائل النقل شرع سكان هذه المنطقة يفكرون جديا في فتح القسم الغربي من البحر. إلا أن أخبار الإرساليات الأولى قد أندترت، رغم ذلك فقد ساد التسليم بالأسبقية للفينيقيين في القيام بالأسفار البعيدة نحو الغرب، حيث انشأوا قواعد تجارية لهم في شمال إفريقيا وإسبانيا خلال الألف الأولى. وقد أسست صور سنة ثمانمائة قبل الميلاد مدينة قرطاحة التي تنافست مع مرسيلية وروها على السيطرة بغرب البحر الأبيض المتوسط خلال قرون عديدة.

وظل القدماء مدة مديدة يعتبرون المضيق نهاية العالم ويتخوفون منه باعتبار أن ما وراء إنما هو بحر الظلمات كما كانوا يعتقدون أن البوغاز لم يوجد إلا لينبه البحارة إلى عدم اجتيازه والتوغل في دلك البحر المخيف. وقد تأكد أن عبور البوغاز لأول مرة فد تم خلال الألف الأولى، ففي 1100 قبل الميلاد قام الفنيقيون بتأمين"قالص"في جنوب إسبانيا وبعد ذلك مدينة"ليكسوس"التي تبعد بسمافة ثلاثة كيلومترات عن موقع مدينة العرائش نحو الشمال. وقد نشطت الملاحة بهذه الجهات وبلغت شاؤها بالاتصال الوثيق بقرطاجة. ثم أن البوغاز قد ربط البحر الأبيض المتوسط بشمال القارة الأوربية وخاصة بانجلترا والبلاد الاسكندنافية وأصبح مركزا رئيسيا للملاحة وحرصت قرطاجة التي سيطرت على غرب البحر فيما بين القرنين الثامن والثالث على الاحتفاظ يسلطنها عليه لتبريزها في مجال التجارة، واتخذت لتحقيق غايتها هذه مختلف الوسائل المتراوحة بين إشاعة الخوف والرهبة من بحر الظلمات كما كان الأمر فيما قبل، وبين كل السفن الأجنبية التي تقترب من المضيق.

ويمكن لنا أن تؤكد أن الحروف البونيقية قد قامت لأسباب كان الحرص على تملك البوغاز في طليعتها. وقد أصبح البوغاز رومانيا بعد انتهاء هذه الحروب التي استمرت من سنة 264 إلى 146 قيل الميلاد وظل تحت هذه السيطرة إلى أن حديث غزو"البرابرة"للإمبراطورية كلها خلال القرن الميلادي الخامس. وانتهت فترة النشاط التجاري للبوغاز الذي لم يعد إلى مكانته المبرزة إلا عند فتح العرب للأندلس، وقد رأينا من الضروري أن نورد هذه المقدمة حول الفترة السابقة للفتح الإسلامي تيسيرا لإدراك أهمية البوغاز في مختلف عصور التاريخ.

لقد عبر المغاربة البوغاز في صيف سنة عشرة وسبعمائة لأول مرة عند ما قام طريف بن مالك في أربعمائة رجل بالنزول في أقرب مكان من القارة الأوربية إلى إفريقيا، وهو المكان الذي أسست فيه مدينة طريف. وهو يبعد عن"كدية العزيزي"بغرب مدينة سبتة وشرق"القصر الصغير"بمسافة تقل عن أربعة عشر كيلومترا كما تقدم في نظرتنا الجغرافية. وقد عاد القائد المغربي الذي لم يجد مقاومة ملحة تذكر ببعض أصاري والغنائم إلى طنجة التي غادرها في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو للسنة المذكورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت