فهرس الكتاب

الصفحة 5149 من 5287

الفرسان البريطانيين له وحاصر جبل طارق بعد ذلك بخمس سنوات فرفع الحصار دام سنة كاملة لما توفي الملك بوباء الطاعون وعمره لا يبلغ أربعين سنة.

وتثبت عيون التاريخ الإسباني أن سكان جبل طارق قد ضاقوا سنة 1410 ذرعا بالحالة التي كانوا فيها فاستغلوا الخلافات التي كانت قائمة هناك بين الحكام العرب والبربر فطردوهم من المدينة التي جعلوها فيما بعد تحت حماية سلطان المغرب الذي أرسل للدفاع عنها ألفا من الفرسان والفين من الرماة. إلا أن يوسف ملك غرناطة تمكن من استرداد هذه القلعة في السنة التالية.

وبعد أربع وعشرين سنة حاول"أتريكي دي غوثمان"أخذها بالإغارة عليها من البحر فمات غرقا. وقد جاء ولده"خوان"والي مدينة طريف فأنهى هذا القتال باحتلال القلعة نهائيا يوم 20 أغسطس للسنة الثانية والستين من القرن الخامس عشر. واتخذ الإسبانيون استيلاءهم على جبل طارق رمزا لنهاية حملة الاسترجاع ولو أن مملكة غرناطة قد ظلت قائمة بعد هذا التاريخ بمدة ثلاثين سنة، وذلك نظرا لأنهم تمكنوا من استرداد الموقع الذي نزل به طارق وانطلقت منه حملة الفتح الإسلامي المظفرة التي أدخلت شبه الجزيرة خلال مدة لا تتعدى الحولين في عهودها الذهبية كما تقدم.

واستأثرت أسرة الفاتح بالسيطرة على القلعة مدة طويلة إذ لم يتم الحاقها بتاج إسبانيا إلا في أواخر السنة الأولى من القرن السادس عشر عندما عينت الملكة"إيسابيل"حاكما لها تقلد أمرها باسم زوجها الملك"فرناندو"وأوصت خلفاءها بالتمسك بجبل طارق الذي هو"أجمل حصون شبه الجزيرة".

ولما انتهت حملة الاسترجاع الإسبانية انقطعت الصلات بين ضفتي البوغاز فاقترن عصر الاحتلال الأسباني بفترة الانحطاط والتدهور التي عظمت بانصراف الإسبانيين عن الاهتمام بالبحر الأبيض المتوسط وإقبالهم على العناية بأعمال الاستكشاف، وأن كان الملك"فليبي الثاني"على الخصوص قد واصل مقابلة المسلمين وخاصة الأتراك باعتباره الحامي الأكبر للديانة النصرانية والمدافع عن أقطارها.

وشرع الإنجليز يهتمون بالبحر الأبيض المتوسط لما ظهرت فائدة التجارة مع أقطار الشرق فبسطوا صلاتهم التجارية والعسكرية على مختلف مواقعه ابتداء من أواخر القرن السادس عشر. وقد حاول ملك إسبانيا العظيم السالف الذكر أن يقاوم الوجود الإنجليزي بهذا البحر فحرم الموانئ الإسبانية على السفن البريطانية واستمرت هذه المنافسة إلى أن انتهت بهزيمة الأسطول الأسباني النكراء - وهو الأسطول الذي لا يغلب - سنة 1558 عندما حاول التصدي للأسطول البريطاني وإغراقه للحيلولة بينه وبين ولوج البحر المتوسط. لقد كان جبل طارق قد أصبح للمرأة الأولى مرفأ كبيرا على عهد العرب، إلا أن الاحتلال الإسباني له كان بمثابة فترة احتضار استمرت قرنين ونصف ولم تنته إلا باستيلاء الانجليز عليه يوم رابع أبريل سنة 1704 إبان"حرب الخلافة"بإسبانيا.

ولم تكن"حرب الخلافة"هذه من الحروب الأهلية المريرة التي يؤخر بها تاريخ إسبانيا كما قد يتبادر إلى أدهان بعض القراء، وإنما كانت حربا مثارها التنافس في التوسع بين الدول العظمى. وقد استأثرت أمريكا باهتمام هذه الدول خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر عند ما أخذ التدهور يسري في الدولة الإسبانية قبل أن يتفشى فيها.

وقد كانت هذه الدول هي فرنسا وهولندة وبريطانيا العظمى. فلما رأت هذه الدولة الأخيرة أن تاج أسبانيا وما يخضع له من الأقطار العديدة في العالم الجديد سيؤول إلى حفيد"لويس الرابع عشر"لم تتردد في الدخول في الحرب لتفادي هذا الخطر وذلك بمقتضى الميثاق المبرم في لاهاي في السنة الأولى من القرن الثامن عشر. وقد حالفت هولندة وملوك"هايسبورغ"في هذه الحرب التي احتلت خلالها جبل طارق لتحول دون اتصال الأسطولين الفرنسيين بالبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وذلك بعد أن فشلت محاولاتها السابقة لاحتلال"قالص"وبرشلونة. وقد حاول الفرنسيون والإسبانيون خلال عدة سنوات استرجاع هذه القلعة التي حاصروها عدة مرات، إلا أنهم فشلوا في كل هذه المحاولات التي تلتها انتصارات انجليزية متعددة في البحر الأبيض بصورة خاصة، فقد تمكن البريطانيون في سنة 1705 من خلال برشلونة، ثم تولوا في السنة التالية على مدينتي"قرطجنة"و"ألقنت"، وعلى ميناء"ماهون"بجزيرة"مينورقة"وعاصمة مقاطعة جزر"الباليار"بعد سنتين.

وقد أردنا أن نتعرض لهذا الحرب ببعض التفصيل لأنها كانت مرحلة فاصلة بالنسبة للوجود الدولي لإسبانيا. وكان إبرام معاهدة"أوطريك"Utrecht نهاية هذه الحرب إذ تنازل"الملك الكاثوليكي فبليبي الخامس لبريطانيا العظمى باسمه وباسم خلفائه عن مدينة جبل طارق وقلعته ومينائه ومنشئاته العسكرية من غير مقاسم لها"، وذلك بمقتضى المادة العاشرة من هذه المعاهدة. أما المادة الحادية عشرة فقد تنازل بموجبها عن سيادته على جزيرة"مينورقة"المذكورة.

وقد غادر الإسبانيون جبل طارق وأقاموا من حوله بعد أن قطعوا كل اتصال به كمقدمة لمحاصرته التي تجددت عدة مرات. ولما فشلت وسائل القوة عمد الإسبانيون إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت