فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 57
وقد كان الفرق بين النظاميين واضحا بحيث يمكن أن يعتبر نظام المسؤولية الموزعة هو المظهر العام للنهضة الحديثة.
وأدى ذلك إلى ظهور فلسفة جديدة تفسر الأحداث تفسيرا يتفق وطبيعة الحياة الجديدة. فالفرد كائن مادي لا قيمة له إلا بمقدار ما يكون من مجتمع، كالمسمار لا قيمة له بمفرده بل هو أداة عاطلة لا أهمية لها ما لم تكن ضمن مجموعة من الأدوات الأخرى تتكون من مجموعها الالآلة التي تنتج، فتبني ... أو تهدم ...
ومن هنا انعدمت المسؤولية الفردية وأصبحت نتيجة العمل-حسنا كان أو سيئا- لا يتحملها مرتكبه، ولكنها تقع على الطبقة التي يعيش ضمنها وعلى النظام الذي يعيش فيه.
وهذه النظرة إلى الفرد نظرة مادية تتفق، ولا شك، مع الفلسفة المادية التي يتزعمها ماركس وفلاسفة المذهب المادي، وتتفق مع تفسيرهم للحاضر كما تتفق مع تفسيرهم للتاريخ الذي هو في نظرهم مجموعة من الأنظمة والطبقات، تهزم أحداها الأخرى هزيمة طبيعة لا حيلة للإنسان في تغييرها أو صنعها.
وهذه النظرة المادية للفرد تبالغ فتسلب الإنسان كل مميزاته الإنسانية، فلا فكر ولا إرادة، لا عاطفة ولا شعور، كبيرة قد يصل أجزاء الأداة الكبرى، ولكنه لا يستطيع أن يغيرها أو يسيرها أو يوجهها. أنه مسمار صغير، لا اقل ولا أكثر، في الأداة الكبرى التي هي المجتمع أو الطبقة أو النظام، والتاريخ هو الكفيل بتسيير هذا النظام أو تغييره.
وكم يصعب على المفكر أن ومن بهذا الرأي وهو يرى أن النظام نفسه وليد الفرد، وان الانقلابات الكبرى في المجتمعات إنما هي بنت فكرة انبعثت من نفس شخص في هداة الليل أو سكون السحر، وأن الطبقة الجديدة التي خلفت الطبقة القديمة إنما هي منبعثة من كبد حرى أو قلب فوار أو عاطفة متأججة لم ترض ضيما ولم تصبر على مكروه، فكان السخط الفردي، وكان الجار بالشكوى على الأقربين والمشابهين، وكان تضامن ذوي القربى ممن جمعهم المظالم، ثم كانت الطبقة الجديدة التي خلفت الطبقة القديمة ... وهكذا يستمر الوضع إلى أن يتعفن فيتمثل نفس الدور، من القلب والعاطفة، على الفكر، على العمل على تغيير الأوضاع إلى وضع جديد أو مجتمع جديد أو طبقة جديدة.
وإذن فالذين لا يجردون الفرد من هذه الإمكانيات لا يستطيعون مطلقا أن يومنوا بأنه آلة-مجرد آلة، صغيرة أو مسمار تافه- في هيكل عام، بل هو أداة فعالة يستطيع أن يغير أوضاعا بل أن يصنع تاريخا .. على شرط إلا تقهره القوة وإلا تمنع عنه النور، نور الحياة الذي يتيح لقلبه أن ينبض، ولعاطفته أن تتأجج، ولعقله أن ينفعل، وللسانه أن يتحدث، وليده أن تمتد بالعمل، فإذا ما تحقق له كل ذلك فإنه يستطيع أن يتحمل المسؤولية كاملة: أن أحسن كان على الناس وعلى التاريخ أن يسجلوا إحسانه بمداد الشكر، وان أساء كان على الناس وعلى التاريخ أن يلعنوه ويجهروا باللعنة، ولو كان النظام الذي يعيش فيه فاسدا.
ونعود-بعد هذا الإيضاح- إلى كلمة الرئيس نهرو الذي كان- وهو يقاوم الاستعمار الانجليزي- يعتقد أن الأفراد الانجليز الذين زجت بهم الظروف في هذا النظام لا يستحقون اللوم لأنهم مجرد مسامير صغير في آلة ضخمة لا يستطيعون تغييرها أو تحريكها نعود فنقول: أن الأفراد الانجليز وكل فرد يخدم نظاما فاسدا كان يستطيع أن يغير النظام وأن يقهره، فلم تكن الظروف لتقهر فكر الإنسان ولا عاطفته، ولم يكن النظام ليقف في وجه ذوي الأفكار النيرة، فمسمار ذو عاطفة أو عقل يستطيع أن ينحرف فيوقف الآلة عن الدوران ... وتمرد جندي انجليزي أو فرنسي على إطلاق النار على برئ هندي أو جزائري كفيل بتغيير نظام الاستعمار أو إيقاف حرب استعمارية، وتمرد إقطاعي واحد على نظام الإقطاعية في الهند أو مصر كان كفيلا بالقضاء على النظام نفسه، وعلى ذلك فإن الأفراد الذين يسيرون نظاما فاسدا-مهما كان دورهم تافها في تسيير هذا النظام- يتحملون مسؤولية كبرى لا في الأضرار والأخطار التي تنتج عن عملهم فحسب، ولكن في بقاء النظام الفاسد وفي استمرار الطبقة الفاسدة. أن مسؤوليتهم ليست مسؤولية خلقية فحسب، ولكنها مسؤولية عملية أيضا فمن عملهم تنبعث الشرور والأنام ... ومن عملهم يتغير سير التاريخ وتسير الآلة الضخمة في طريق الخير والازدهار.