فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 87
فهناك الوحدة الجغرافية بين أقطار المغرب العربي، ولا أقول التقارب الجغرافي، فكلما يقع في جزء واحد من قارة واحدة على بحر واحد، وليس هناك تفاوت كبير بينها في المناخ والطبيعة إلا ما يكون من تفاوت بين أجزاء القطر الواحد، فالمنتقل من وجدة إلى غليزان، أو من عنابة على بنزرت، أو من جربة على طرابلس، لا يحس يفارق طبيعي كبير كذلك الذي يحسه المنتقل من لينيغراد إلى سيبا سيوبول أو من اللاذقية إلى الحديدة.
وهناك الوحدة السلالية، فالمغاربة جميعا ينتمون إلى السلالة البربرية المتكونة من عناصر شرقية وأخرى غربية، صهرها طول الأحقاب في بوتقة واحدة حتى صارت جسدا واحدا، لا يمتاز عضو منها في جزء من المغرب عن عضو في جزء لآخر منه.
وهناك الوحدة اللغوية فغن جميع أهل المغرب يتكلمون اللسان العربي المبين، ويكتبون بالأحرف العربية، وفي كل قطر بقية من اللغة البربرية القديمة عمل الاستعمار جهده لحفظها ولكنها الآن في طريق الاضمحلال، ولن تمضي خمسون سنة حتى تكون اختفت نهائيا من الألسنة المغربية نتيجة انتشار الثقافة واتساع شبكة المواصلات، وكثرة التنقلات.
وهناك الوحدة الدينية، فالمغاربة مسلمون يتبعون في العقائد مدرسة أبي الحسن الأشعري، وفي الفروع مذهب مالك بن انس، لا يستثنى منهم إلا عدد قليل من الخوارج الاباضيين الذين يبلغون ألربعين ألفا بواحات مزات (الجزائر) ومثلها بجزيرة جربة (تونس) وجبل نفوسة (طرابلس) ، وعدد قليل آخر من بقايا الأتراك المتعبدين على مذهب أبي حنيفة النعمان، أما الطائفة اليهودية فأهلها كانوا معتبرين إلى زمن قريب ذميين لا مواطنين، وهم بعددهم الضئيل لا يقدحون في الوحدة الدينية المغربية، كما لا يقدح فيها من يمكن أن يتمغرب في المستقبل من الطائفة المسيحية الأوروبية التي استقرت في المغرب بعد الاستعمار اللاتيني، فمثل هذه الأقليات توجد في كل أمة، وهي لا تؤثر في شيء على الحياة الوطنية العامة، سيما في هذا العصر الذي تضائل فيه الاعتبار الديني بجانب الاعتبارات الجزئية والاقتصادية.
وهناك وحدة الطباع والعادات، وهذه بطبيعة الحال نتيجة من نتائج الوحدات المتقدمة، فما تنطوي عليه نفس المغربي في أقصى المغرب هو ما تنطوي عليه نفس أخيه في أدناه، وكل مظاهر الحياة الاجتماعية متشابهة هنا وهناك.
يضاف إلى ذلك التاريخ المشترك، فأقطار الشمال الإفريقي كالحلقات المفرغة التي لا تطلق أحداها حتى تمسك الأخرى، أو كالطبل الأجوف الذي أن نقرت أحدى جهتيه سمع دويه من الجهة الثانية، فما حدث حادث في جانب منه، أو جد أمر إلا كانت له أصداء وظلال في الجوانب الأخرى، أنشأت عليشة ديدون قرطاجنة فانتشرت المتاجر البونيقية على طول ساحل المغرب، وسيطر الرومان على تلك المدينة ففرضوا سلمهم عليه وأقاموا حضارتهم به، وعبر إليه الو ندال فخلفوا في كل جهة منه أشلاء وأنقاضا، وطلعت خيول العرب بالإسلام على طرفه الشرقي فامتلأت أطرافه الأخرى عدلا ونورا، ووضع نصارى شبه جزيرة أيبيريا أقدامهم في أحد مراسيه فتداعى لهم سائرها بالسقوط من أكادير إلى طرابلس، ودهمه بعدهم الاستعماران التركي واللاتيني فلم يبقيا ولم يذرا، ثم ذر قرن الحركات الوطنية التحريرية التي تبلورت فيها إرادات شعوبه في الاتحاد بما ساد قادتها من تعاون وانسجام في الداخل والخارج، وأدراك الحقائق المستخرجة في العبر التاريخية والمقتضيات العصرية.
فدواعي الاتحاد إذا متوافرة كثيرة، وليس هناك ما يحول دون تحقيقه من فارق في الجغرافية أو اللغة أو الدين أو التاريخ.
فما هي الفوائد التي سيجنيها أهله من إنشائه؟ وما هو الثقل الذي سيكون له في الميزان الدولي؟
والجواب على هذين السؤالين ليس بالعسير، إذ من المعلوم بالضرورة أن كل اتحاد يكسب أصحابه قوة مادية ومعنوية، ويجعلهم مسموعي الكلمة مرهوبي الجانب، ويهيئ للطاقات الكامنة في نفوسهم فرص الانفجار والانطلاق لتغيير مجرى التاريخ
ويمكننا أن نتخيل من الآن دولة الاتحاد المغربي المرتقبة، الواسعة جنباتها، العديدة نسماتها المحتوية على أزيد من ثمانية وعشرين مليونا من السكان،، وخمسة ملايين ونصف من الكيلومترات المربعة، كما يتبين ذلك من الجدول التالي: