فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 93

العظمى تعتمد على المغرب وتريد جذبه إلى فلكها لحفظ التوازن الدولي. فالإمبراطورية العثمانية فكرت في الاعتماد على المغرب واتخاذه كدعامة هامة في وجه الغزو الأوروبي للمغرب العربي. والأسبان والبرتغال اقتنوا بجدوى التحالف مع المغرب للحيلولة دون تسرب الأتراك إلى المغرب، هذا التسرب الذي لم يكن من شأنه لن يشكل خطرا على المغرب فحسب، وإنما على أوروبا نفسها. فهي لم تنس ذلك التوسع الإسلامي بالأمس على يد العرب الذين اتخذوا من المغرب قاعدة عسكرية لاحتلال الأندلس كما سبق أن ألمعت على ذلك من قبل. وهنا ظهرت الدبلوماسية المغرية ببراعتها وحنكتها، واستطاعت الحركة السعدية، بفضل هذه الدبلوماسية أن تلعب الدور الفعال في حفظ استقلال المغرب من الضياع والزوال.

ولئن فشل السلطان محمد الشيخ في محاربة الأتراك، فإن أحد أولاده الملقب بالغائب حاول أن يحالف البرتغاليين والاسبانيين لتقوية جانبه تجاه الأتراك الطامعين في استعمار البلاد وضمها على أجزاء الإمبراطورية الواسعة، وقد دفع الغالب كثمن لهذا التحالف ميناء باديس بالقرب من مليلية للأسبان، كما تخلى للبرتغاليين عن حصار الجديدة التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في قبضة المحاصرين المغاربة وهكذا شارك المغرب في أول تحالف دولي، تحدوه في ذلك مصلحته الخاصة.

غير أن سلطان الغالب لم يوفق إلى كسب الرأي العام في المغرب، لأن أخويه المعتصم والمنصور قاما ينددان بسياسة التحالف مع أعداء الإسلام صندا على أهل الإسلام. وجاء المتوكل بن الغالب إلى العرش فأمعن في سياسة التحالف مع أوروبا واضطهد الأخوين اضطهادا دفعهما إلى الذهاب إلى القسطنطينية حيث شرحا للسلطان العثماني ما يتمخض عنه الموقف في المغرب، وأقنعاه أن بقاءه مكتوف الأيدي حيال هذه الأحداث الخطيرة، سيؤدي حتما إلى ضياع أقاليم إفريقيا الشمالي كلها من يد العثمانيين.

ولم يجد الأخوان المعتصم والمنصور كبير عناء في إقناع السلطان برأيهما. وما هي إلا فترة قليلة حتى وصلت إلى فاس، العاصمة، حملة تركية بقيادة سنان باشا، وذلك لمساعدة الأخوين على دخول العاصمة، وعلى الإطاحة بالمتوكل القائل بجدوى التحالف مع اسبانيا والبرتغال. ولكن المسألة لم تنته بعد، لأن المتوكل يفر إلى طنجة حيث حلفاؤه، والأتراك في المغرب يشكلون خطرا على استقلاله سيادته، وهنا سيظهر البطلان كثيرا من البراعة حين يصرفان بالمال أفراد الحملة التركية، فيرجعون إلى سبيلهم بعد أن بات من الممكن أن يهيئوا الجو للاستعمار العثماني، وعندما فرغ الإخوان من صرف الحملة التركية وجها كامل عنايتهما للتحالف الأنف الذكر. وفي معركة وادي المخازن الشهيرة، أصيب هذا التحالف بضربة في الصميم، حيث قتل قيها ملك البرتغال سيباسيتان، وسقط فيها حليفه المتوكل صريعا، فانقشعت بذلك السحب المتلبدة، وأصبحت سماء المغرب صافية، وأرضه ظاهرة وحكومته قوية وعظيمة، ليس في عين الشعب فقط، وإنما في عين الدول العظمى أيضا.

وهكذا أخذت الدول العظمى تخطب ود المغرب، وأصبح مركزه الدولي قوي الدعائم، بعد أن كان ريشة في مهب الريح، فهكذا سلطان تركيا يجدد اعترافه بالمنصور السعدي سلطانا على المغرب، وهذه مملكة البرتغال تقضي نحبها أثر المعركة المذكورة، وهذا بلاط المنصور يغص بوفود المهنئين من كل بقاع المعمور لعقد معاهدات الصداقة وحسن الجوار. وكل هذا بفضل اديبلوماسية المغربية التي رأينا أنها ما كادت تظهر في الأفق الدولي، حتى أظهرت مهارة كبيرة في استغلال الظروف، بحيث لم تترك مناسبة ولا فرصة إلا واهتبلتها لإنقاذ المغرب من الورطة التي كاد أن يتردى فيها لولا مهارة هذه الدبلوماسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت