مطلوب من كل مواطن منا سواء كان في صف القيادة أو مجرد جندي بسيط، أن يعود إلى هذه الجادة، فقد جربها من قبل، وحققت له معجزة، معجزة استقلاله وحريته وكرامته، وهي خليقة إذا التزمها اليوم _ كما كان يفعل من قبل _ أن تفضي به إلى التحرر الكامل، والى الرفاهية والسعادة والعزة.
إن أي ضمير سليم لا يستطيع أن يعتبر الخروج عن هذه الجادة، إلا كفرا بنعمة الله، ولا نكوصا على الأعقاب، وخيانة المبادئ، وتراجعا للوراء.
والشعب المغربي لم يرضى نفسه بعد، على أن يقبل ممن يرشحون أنفسهم لزعامته، أن يكونوا مجرد بشر بكل مساوئ البشرية، إنه يريدهم شيئا فوق ذلك، شيئا فوق البشر، فقد لقن في دروس الوطنية الأولى، إن الوطنية معناها نكران الذات، معناها التضحية، معناها البذل عن سخاء، معناها الخضوع للحق، ذلك لأن الحق فوق القوة، وفوق كل اعتبار مهما يظهر من وجاهته أو أهميته.
لقد قيل للشعب يوما: أن الحق هو الله. ومن ثم أصبح من حقه أن يتعصب لهذا الحق الذي ساقه إلى النصر، وأن يكفر بكل من يريد أن يغشه فيه أو يزوره عليه، أو يحول أنظاره عنه.
على أن الشعب ليس مشتطا فيما يطلبه، انه لا يطلب من الذين يريدون أن يعلموه الوطنية، أكثر من أن يكونوا هم أنفسهم وطنيين، فإذا كانوا كذلك، فلن تكون هناك أزمة أخرى غير الأزمات الحقيقة الواقعة، أزمة الحدود، وأزمة الاحتلال العسكري، وأزمة الاقتصاد الوطني، وغير ذلك من الأزمات التي يعجزها أن نتغلب عليها، إذا استطعنا أن نحتفظ دائما بنفس الروح التي خضنا بها الأزمة الكبرى من قبل، نفس الروح التي حقننا بها معجزة الاستقلال. نفس الروح التي أرغمنا بها فرنسا وأعوانها الذين يمدونها بالسلاح ويشايعوها في المحافل الدولية على أن يعترفوا باستقلالنا وسيادتنا، وحقنا في الحرية والكرامة والمساواة، نفس الروح التي مزقنا بها الخط الوهمي الذي كان يفصل بين الشمال والجنوب، نفس الروح التي رقصنا بها على الحدود نفس الروح التي أكرهت الإقطاعيين وأعوان الاستعمار على ان يركعوا في ذلة، وان يقبلوا الأرض، وان يطلبوا المغفرة، نفس الروح التي أعادت إلينا ملكنا من منفاه، نفس الروح التي حملت (( علال بن عبد الله ) )على أن يهاجم الدمية الآدمية بسيارة عتيقة بالية وهو يعلم أنه الموت لا محالة، نفس الروح التي حطمنا بها إرادة الاستعمار، فجعلنا من يوم 20غشت عيدا وطنيا مجيدا، وكان الاستعمار يريده مأتما حزينا تشيع فيه أمة بكاملها إلى القبر، ويهال عليها التراب ويعود قاتلوها ليشربوا في مأتمها نخب انتصارهم عليها ... نخب انتصارهم على الحرية والإنسانية والعدالة.
هذه الروح التي حققت كل هذه المعجزات خليقة أن تحقق أكثر منها، إذا استطعنا أن نحتفظ بها سليمة نقية طاهرة، ولن يحتاج أي مواطن منا في سبيل الاحتفاظ بهذه الروح سليمة نقية طاهرة، إلى أكثر من أن يخلو إلى ضميره، وأن يحاسبه في صراحة وتجرد ونزاهة، وأن يغسل عنه ما عسى أن يكون قد علق به من الأدران، وأن يعيده إلى ما كان عليه من قبل، يوم أن كنا جميعا - جنبا إلى جنب - نخوض معركة الاستقلال.
دعوة الحق