فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 5287

نعم لقد أتاحت له الثروة التي جمعها من التهريب كثيرا من الجاه والوجاهة بين مواطني القرية، ولكنها حرمته مما يتمتع به هؤلاء المواطنون من السعادة والهناء .. ثم هو بعد ذلك غير قرير بما كسب ولا آمن على ما يكسب. يكسب كثيرا ولكنه يدفع أيضا كثيرا .. يدفع كثيرا من صحته تحت وطأة هذا القلق الذي أقض مضجعه وأرصد له في كل طريق جيشا من الأشباح ... ويدفع كثيرا من ماله لهؤلاء السماسرة الذين لا يفتئون يلوحون له بالغدر كلما رفع رأسه أو التقط نفسه ..

وحمد العياشي لنفسه ذلك الوعد الذي قطعه لزوجته بالكف عن مغامراته المهولة ... فما عاد في قلبه متسع لما تتطلبه من الجسارة وما تسوقه من الشقاوة ...

إنه صدق زوجته في كل ما حدثها به .. شيء واحد اضطر أن يخفيه عنها ... وما كان يملك غير ذلك ... لقد زعم لها أن القائد حمو ظلمه حين وجده في بيته فشك في حسن نيته ... وما ظلمه الرجل علم الله ... فما دخل هو بيته ليلتئذ إلا منجذبا نحو امرأته الرائعة ... إنه يذكر جيدا اللحظة التي علق فيها تلك المرأة .. كان هو بجانب زوجها يسامره في نفس الحجرة التي أخرج منها بعد ذلك ... وكان الليل باردا موحشا، ولكن الغرفة كانت دافئة مؤنسة ... وامتد بالصينية من باب الغرفة ساعدان لم ير أنصع بياضا ولا أشهى بضاضة منهما ... ولم يحتج إلى أكثر من رؤية الساعدين ليحب صاحبتهما ... ثم هو لم يجد غضاضة في هذا الحب ولا أشفق مما يعترضه من صعاب ...

حقا لقد تغيرت أخلاقه ولم يعد يمت بصله لقريته الطيبة وأهله الخيرين ... ولكن الله يقبل التوبة من عباده، وهو تاب عن هذا الحب الدنس وعن هذه المهنة الكريهة أيضا ... إنه يرحل لآخر مرة، وسيعود - حين يعود - سيرته الأولى، فيتعهد أسرته، ويشرف على مزارعه، ويضطرب فيما يضطرب فيه أهل القرية من جد ولهو وشغل وفراغ ..

واستفاق من تفكيره على جلبة البغال التي كان رجاله ينتظرونه بها.

وفارقه الشعور بالخفة والحرية حين بدأ يسوق البغال وأحس كأن شياطين الظلام كلها تضحك من أمله في العودة إلى حياة الطمأنينة والسلام.

وبدأ العياشي يجاهد لكي يعيد الأمن إلى روحه، فاستشعر أن القايد حمو لا يستطيع أن يشي به، لأنه إنما سيشي حينئذ بنفسه، فما يستطيع أن يدفع الأدلة التي يحتفظ بها هو ضده من قبيل الاحتياط.

وكان العياشي حين بلغ هذا الطور من الصراع مع نفسه قد بلغ بالبغال نقطة الحراسة التي عهد بها في هذه الليلة إلى صاحبه القايد حمو، فما عليه _ إذن _ إلا أن يهتف بكلمة السر، فإذا سمع جوابها عرف أن كل شيء على ما يرام.

وهتف بكلمة السر وسمع جوابها ... ومع أن الصوت كان معهودا لديه، فقد خيل إليه أن فيه اختلاجا غير معهود.

ولكن العياشي زجر نفسه عن تخاذلها ... وفسح الطريق للبغال ثم انحدر إلى الخندق وراءها.

وحين صعد من الخندق إلى السهل الممتد، كان قد أصبح في (( المنطقة الأخرى ) )وكان معنى ذلك أن العملية تمت في سلام.

ولكن أحلام العياشي في الأمن والسلام لم تمتد كما امتد السهل أمامه، فقد فاجأه من ورائه وابل من الرصاص لم يترك له متسعا للأحلام ...

وطلعت الشمس في القرية التافهة على شيئين جديدين:

وجه ميت يحلم بالسلام.

وخبر يقول: إن العياشي ضرب بالرصاص لأنه استوقف فلم يقف ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت