فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 5287

ونبات، وما يعتريه ويطرأ عليه في هذا الوجود. عواطف تلك الأغصان الرطيبة التي تمد أعناقها إلى ضرع الصباح لتدر منه حليبا فتكتسي بالندى. وأحلام تلك الموجه التي تغفو على أختها في الشاطئ حالمة بالتسلق إلى هامات الجبال، ثم التغلغل في شرايين الأرض العميقة. وأشواق تلك الصبية التي فقدت لهاثها في البحث عن أمها. ونزعات التربية المتخومة بالأنفاس المخنوقة، والأصلاب المرضوضة، والأعضاء المكدودة من قبل آدم إلى يومنا هذا.

وأنا ما قمت معكم بهذه الجولة القصيرة في دروب الحياة، إلا لأضرب لكم مثلا بسيطا عن محور الحياة. ولكم بعد ذلك أن تجولوا مع أنفسكم في دروب الحياة. إن في كل صفحة من صفحات دفاتركم لأسرارا بيضاء إذا أنتم تتبعتم أدوارها وأطوارها وصيرورتها منذ أن كانت جذوعا، وقبل أن تكون بذورا، وبعدما ستصير عليه. .

إني ـ وحق الحياة ومحبتكم ـ لأتخشع كلما تغلغل خيالي في أسرار الحياة. وأريدكم أن تتغلغلوا أنتم بخيالكم في هذه الأسرار، لتشعروا بها، وتحسوها، وتعيشوها، ولتشحذ خيالكم، وترهف أذواقكم، وتملأكم بروح الحياة. ومتى نفذتم إلى هذه الأسرار، وانبلجت أمامكم دروب الحياة بروادها الذين صنعوا تاريخها الصحيح، لا المكذوب في أسفار تواريخ الآداب.

ومن منا يستطيع أن يصدق ما يطرح إليه باسم التاريخ، وخصوصا تاريخ الأدب؟ وكل ما وصل إلينا منه، ما هو إلا قشور وظلال تومئ إلى لبابها وأنوارها ولا تبوح. وبالأحرى حياة الأديب التي تشتمل حياة كل ما تقع عليه عينه، ويلمسه خياله، وتدركه حواسه وعواطفه التي يستحيل حصرها، والإحاطة بها.

فكيف بالتاريخ ـ أي تاريخ ـ وإن بلغ ما بلغ من الأمانة، أن يدرك عمق هذه المشاعر ويحصرها في سطوره!

إن تاريخ الأدب برئ كل البراءة مما نسب إليه لأننا لحد الآن نكتبه. وإن شئتم أن تدركوا صفوته، ففتشوا عنها في غير التواريخ المكتوبة، فتشوا عنها بنور في عينكم، وعاطفة في مشاعركم.

وإليكم يا أعزائي المثل:

ليس تاريخ امرئ القيس يبدأ بذلك اليوم الذي ولد فيه، في ذلك المكان المعين من الصحراء، وأن أباه هو حجر الكندي، وعاش قبل الإسلام بنحو ثمانين سنة كما يروي لنا تاريخ الأدب العربي، وأنه قال قصائده: (( قفا نبك. .. ألا انعم صباحا. . وقد طوفت في الآفاق. . ) )وغيرها من القصائد، ثم نكتفي بهذه المعلومات، وندعي أننا نعرف امرأ القيس، وتاريخه معرفة صحيحة. وليست هذه المعلومات سوى معلومات أي إنسان ـ مع فارق الشعر ـ عاش فترة من الزمن ثم مات. أما امرؤ القيس فقد تميز عن الناس لكونه شاعرا. فلنفتش عن مصدر شعوره، ومن أين له هذا الشعور؟ وكيف أنطق هذه الجوامد الأوابد (( الدخول ) )و (( الحومل ) )وغيرها، وبعث فيها الروح حتى أصبحت تحيا معنا وفينا، والأقمار الاصطناعية تمر علينا في هذا العصر بسرعة النور؟!

لا يا أحبائي، إن صفوة امرئ القيس، وصفوة سواه من الشعراء والأدباء لن تعثروا عليها في كتب التاريخ، والتاريخ بعيد عنها. لأن هذه الصفوة السحرية الخفية تلامس الحياة، وتعانق كل ما في أعماق الحياة، مما يلمس وممالا يلمس، مما ينظر ومما لا ينظر هازئة بالزمن، وأبعاده، وحدوده، ومقاييسه. وهذه الصفوة هي روح الأدب والحياة.

ولا أريد أن تفهموا من هذا الدرس يا أخواني أني أريد أن أجعل منكم أدباء، أو شعراء. لأنه ليس بمستطاعي، ولا بمستطاع أي إنسان أن يجعلكم تشعرون، فتقولوا الشعر، أو تكتبوا الأدب. ولكني أريد أن أقربكم إلى روح الأدب ومنابعه الصافية، وأن تنهلوا من هذه المنابع في دراستكم للآداب، وأن تمتلئ أرواحكم بالعاطفة، والذوق، والجمال. وهذا ما هدفت إليه في هذا الدرس. فحسبي وحسبكم ذلك.

ولست أدري بعد هذا، هل ترضى مصلحة التعليم الثانوي عن أهدافي من دراسة الأدب، أم تغضب فتطردني من إطار المعلمين؟

والسلام عليكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت