فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
العراق والشام، وركب البحر مرة أخرى من عكة قاصد الأندلس، مارا في طريقه بصقلية وغيرها من الجزر، وكان في كل قطر حل به يزور مدنه وقراه، ويقف على كل معالمه وآثاره التاريخية، ويجول في الأسواق، ويختلف إلى حلقات الدراسية والوعظ، ويعني بوصف احوال الناس في معاملاتهم ولباسهم وسلوكهم اليومي وطريقتهم في التحية، ويصف النساء، والأطفال (( في محاضرهم ) )وتحدث عن طرق التعليم، بل لا ينسى أن يحاول تعليل جودة (( الخطوط ) )في الشرق بصفة عامة في المغرب، الى غير ذلك مما لا تتأتى هنا الإشارة إليه.
وبعض الصور التي يعرضها ابن جبير من رحلته صور فكهة ممتعة، لا يقصد التنكيت بالناس، وإنما يعرضها كمشاهدات، ويحاول أن يستخرج منها العبرة.
نذكر من هذه الصور على سبيل المثال، ما تحدث به عن بعض القبائل اليمنية، وتدعى (( السرو ) )كانت تحمل البضائع التجارية إلى مكة في موسم الحج، فتتجر، وتؤدي الفريضة، وقد استلفتت أحوال هذه القبائل انتباه ابن جبير فوصفها وصفا دقيقا في كثير من تصرفاتها، وكان مما وصف من ذلك طريقتهم في الصلاة، يقول:
(( وأما صلاتهم فلم ير في مضحكات الأعراب أظرف منها، وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم، فيسجدون دون ركوع، وينقرون بالسجود نقرا، ومنهم من يسجد السجدة الواحدة، ومنهم من يسجد الثنتين والثلاث و الأربع، ثم يرفعون رؤوسهم من الأرض قليلا وأيديهم مبسوطة عليها، ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع، ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد، وربما تكلموا في أثناء ذلك وربما رفع أحدهم رأسه من سجود إلى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء، ثم عاد الى سجوده، الى غير ذلك من أحوالهم الغريبة ) ).
ومع ذلك فان ابن جبير يثني على هؤلاء (( السرو ) )ويذكر نجدتهم واعتقادهم الصحيح، وربما كان ذلك تفكيرا منه على ما لعله تبادر إليه من انه ذكرهم بسوء.
وهذه صورة أخرى من الصور الفكهة في رحلة ابن جبير، تصور لنا دهشته من مبالغة الشرقيين في المجاملة والتحية والاحترام والتعظيم، وهي صورة لا يزال المغربي حتى الآن يقف مندهشا منها إذا ألم بالشرق، فقد تعود المغاربة في معاملاتهم وصلاتهم الاجتماعية على نحو من الجد قد يبلغ إلى حدا الخشونة أحيانا، وتعود الشرقيون في ذلك على المبالغة في المجاملة وإظهار التعظيم إلى حد يبلغ الميع أحيانا، يقول ابن جبير:
(( ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد، وامتثال الخدمة، وتعظيم الخضرة، و إذا لقي أحد منهم آخر مسلما يقول: جاء المملوك أو الخادم يرسم الخدمة، كناية عن السلام، فيتعاطون المحال تعاطيا، و الجد عندهم عنقاء مغرب، وصفة سلامهم إيماء للركوع أو السجود، فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض، وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك، فواحد ينحط، وآخر يقوم، وعمائمهم تهوى بينهم هويا ..
.. فيا للعجب منهم إذا تعاملوا بهذه المعاملة، وانتهوا إلى هذه الغاية في الألفاظ بينهم بينهم، فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟ لقد تساوت الأذناب عندهم والرؤوس، ولم يميز لديهم الرئيس من الرؤوس، فسبحان خالق الخلق أطوارا لا شريك له ولا معبود سواه.
ولا يلبث ابن جرير إلا قليلا بعد الاستمرار في وصف هذه الحالة، أن يحس بالحاجة إلى التفكير والاستغفار، فيقول،: أستغفر الله منهم، فان لهم من آداب (المصافحة) عوائد تجدد لهم الإيمان، وتستوهب لهم من الله الغفران )) ويمضي في تعداد محاسن (( فضيلة ) )المصافحة، وانت تحس في كل ذلك، انه لا يقصد إلا البحث عن (( فضيلة ) )يمعن في تحليلها، تكفيرا عما بدر منه التنكيت بأحوال القوم.
أما القضية الكبرى التي لم تطقها أعصاب ابن جبير، ولم يستطيع صبرا عليها، والتي تعرض لها في مكان مر به، خصوصا عند نزوله في الإسكندرية، وعند وصوله إلى (عيذاب) في أقصى الصعيد المصري، وعندما اجتاز البحر الأحمر إلى جدة، فهو قضية (( المكوس ) )أو الرسوم الجمركية كما نسميها اليوم، أو ضريبة المرور التي كان كل مسافر أن يؤديها في كل بلد حل به.