فهرس الكتاب

الصفحة 866 من 5287

وحدة الأرومة:

تنفصل البلاد العربية عما جاورها بحدود وعرة الاجتياز والنفوذ، ففي الشمال نجد جبال طوروس وزغروس تفصلها عن تركيا وإيران، في جنوب السودان والصحراء نجد الأقاليم الغابية المستنقعية، بينما تشكل البحار حدود بقية المناطق.

فهذا الانعزال الجغرافي المكاني جعل الأمة العربية لا تتلقى هجرات من الخارج إلا على نطاق ضيق، وبالتالي جعلها صافية الأرومة عالقة بالمكان، فقد منعت الحواجز الشمالية العناصر التي تقوم وراءها (العناصر الأوربية الهندية) كما منعت الحواجز الجنوبية العناصر السوداء من الاختلاط على نطاق واسع بالعنصر العربي، ومكب خصائصه الجسمانية.

والقول بأن العنصر العربي صاف تماما، لا يطابق الواقع ولا المنطق لأنه لا يوجد شعب في العالم احتفظ بصفاء عنصره ونقاء دمه، وإن اختلاط العرب بغيرهم ظل محدودا ضعيف الأثر، فإننا نجد بعض الآثار الأرمينية والكردية في الشام والعراق وآثارا حبشية وصينية وماليزية في اليمن وحضر موت وآثارا زنجية في جنوب مصر والمغرب.

وإن الأقليات التي تتكلم لغات أخرى في البلاد العربية وتساكن العرب منذ القديم كالربانيين في روسيا والبربر في المغرب هذه الأقليات التي ثار حولها الكلام وهلل لها علماء الغرب ما هي إلا جماعات انطلقت ـ كغيرها ـ من اليمن ضمن هجرات قديمة ثم انعزلت في الجبال وحافظت على لغتها الأولى، وقد وجد بالفعل أن تماثلا كبيرا يوجد بين اللغة الحمرية والأمهرية من جهة وبين اللهجات السريانية والبربرية من جهة أخرى

وتدل المستندات على أن المنطقة الواقعة في شرق اليمن والمعروفة اليوم «بالجوف» هي الوطن الأول للعرب، فقد كانت الأحوال المناخية تساعد على الزراعة والإقامة ثم بدأت الأمطار تتحول عن هذه المناطق مما اضطر السكان إلى اتخاذ وسائل الري من سدود وأقنية (ويشهد سد ما رب على عظمة الفن المعماري عند العرب الأول ومقدار ما وصلت إليه الإدارة عندهم من دفة وإحكام) ولكن الأمطار أمعنت في احتجابها فاضطر السكان إلى الهجرة نحو الشمال والغرب، فعرف المنطلقون نحو الهلال الخصيب ومصر بالساميين (اتفاقا) ومن بينهم الأكاديون والكنعانيون والآراميون والأنباط والغساسنة والمناذرة، وسمى الذين اجتازوا مضيق باب المندب أو برزخ السويس بالحاميين تمييزا لهم عن الأول ولوجود فوارق لغوية بينهما وهؤلاء كانوا قد اتجهوا نحو أرض النوبة والمغرب.

فإطلاق تعبير «الساميين» و «الحاميين» على الشعب العربي إنما هو اصطلاح لغوي لا علاقة له بالجنس والأصل.

وقد قامت دراسات في أوربا وخاصة في فرنسا للبحث في أصل سكان المغرب الأقدمين ولكن تلك الدراسات استهدفت خدمة السياسة والاستعمار أكثر من خدمة العلم والحقيقة.

فقد قام ـ مثلا ـ العالمان الفرنسيان شانتر ويرتلون بدراسة القرائن الجنسية عند سكان الأطلس فقاسا طول الجمجمة ولاحظا الأنوف وألوان الشعور، وانتهيا إلى أن «الجنس البربري» ينقسم إلى جذعين: جذع اسكندنافي قادم من شمال أوربا ضمن هجرات غامضة وجذع أسيوي كردي قدم من آسيا الغربية.

ولا يمكن تبرير هذه النتائج «المدهشة» بالدراسات القاصرة التي قاما بها، وبالنظرة السطحية التي طبع بها بحثهما، فقد كان ذلك البحث في جميع مناحيه منافيا للتاريخ ومجافيا لروح العلم. والثابت لحد الآن أنه لم يقم أي دليل على وجود فرقة بين الجنسين في المجال الأنتروبولوجي، والفرق السطحي الذي يلاحظ بين العرب والبربر مرده إلى الانفصال في التطور التاريخي كما حصل بين الشعوب المغولية التي تتوطن البلقان اليوم وبين المغول في سينكيانغ الصينية.

ومعنى ذلك أن سكان البلاد العربية امتدوا في المكان كما يفعل الحجر بماء البحر الصافي، وموطنهم الأصلي هو شرق اليمن، وإنما نجد ذلك، كما نجد طرق البحرات العربية القديمة وأسبابها ومراحلها مفصلا في كتب جميع المؤرخين العرب وفي مقدمتهم ابن خلدون في كتابه العبر والمسعودي والطبري والبكري.

وقد استغرب الباحثون الغربيون لهذا التمازج القوي الذي لاحظوه في المغرب، ولم يصدقوا أنه حصل في مدة أنني عشر قرنا ولذلك فقد اخترعوا قضية «الحضارة البونيقية» وطبلوا لها كثيرا، والواقع أن التناظر الكلي بين العرب والبربر من الوجهة الجسمانية لا يمكن أن يكون آثار الحضارة الإسلامية أو البونيقية وإنما هو شيء أصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت