قَوْله تَعَالَى: {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (1) لِئَلاَّ يَتَجَاوَزَ الْحُدُودَ الْمَضْرُوبَةَ لَهُ (2) وَلِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ مَعَ الْجِنَازَةِ (3) .
وَقَدِ اضْطَرَبَ كَلاَمُ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا الأَْصْل، فَنُقِل عَنِ الْقَاضِي أَنَّ الْجَهْرَ بِالذِّكْرِ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا حَرَامٌ لِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ جَمَاعَةً مِنَ الْمَسْجِدِ يُهَلِّلُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهْرًا، وَقَال لَهُمْ: مَا أَرَاكُمْ إِلاَّ مُبْتَدِعِينَ. وَقَال فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْحْوَال فَالإِْسْرَارُ أَفْضَل حَيْثُ خِيفَ الرِّيَاءُ أَوْ تَأَذِّي الْمُصَلِّينَ أَوِ النِّيَامِ، وَالْجَهْرُ أَفْضَل حَيْثُ خَلاَ مِمَّا ذُكِرَ (4) .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الأَْصْل مَوَاضِعُ يَنْبَغِي فِيهَا الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي قَدَّرَهَا الشَّرْعُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهَا:
1 -مَا قُصِدَ بِهِ الإِْسْمَاعُ وَالتَّبْلِيغُ، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الإِْمَامِ وَقِرَاءَتِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْمُبَلِّغِ وَإِلْقَاءِ السَّلاَمِ وَجَوَابِهِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجْهَرُ فِي ذَلِكَ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُودُ (5) .
(1) سورة الإسراء / 110.
(2) نزل الأبرار ص 8.
(3) فتح القدير 1 / 469.
(4) ابن عابدين 5 / 255.
(5) ابن عابدين 2 / 175.