فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 5287

ولاية القضاء ما أباحوا. أما مع التبرج وإبداء الزينة، والخلوة بالأجنبي، فإنه لا يصح أن تباشر شيئا من ذلك داخل نظام الإسلام الذي له في مسألة المحافظة على الأخلاق نظر.

بين التأييد والمعارضة

وهذا كله قد يكون محل وفاق بيننا وبين الذين تختلف أنظارهم في الموضوع، ولكنهم يعترضون بأن ما ذكرناه منقوض بما قسم الإسلام للمرأة في الإرث من قسمة ناطقة بعدم المساواة بينها وبين الرجل، فإن ذلك بخس عظيم لحقها، فأين ما تدعونه لها من توفية الحقوق وحفظ الكرامة؟

وهؤلاء المعترضون، يجهلون أن الشريعة الإسلامية شريعة عملية، وأن مبناها على أساس: خذ وأعط، كما أشارت الآية السابقة: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف» ، فالمرأة في الإسلام تأخذ الصداق ولا تعطيه. كما عند الأمم الأخرى، وتجب نفقتها على الزوج، وإن كانت غنية وهو فقير، وليس عليها أن تخدمه، بل عليه هو أن يتخذ لها خادما إن كانت من ذوات القدر. ففي مختصر الشيخ خليل المبين لما به الفتوى عند المالكية (وإخدام أهله وان بكراء ولو بأكثر من واحدة) ؛ ولذلك فهي في الإرث تأخذ نصف ما يأخذه الرجل الذي عليه كل هذه الواجبات، وذلك من الإنصاف الذي لا يمتري فيه اثنان، بل الواقع أن لها في هذه القسمة تمييزا على الرجل، فلو أننا قسمنا لهما بالتسوية، وكلفناها بتلك الواجبات لكان عليها حيف كبير في ذلك فضلا عن الغضاضة التي تلحقها في دفع الصداق إلى الزوج، وماذا يرضى الزوج من الصداق؟ ..

على أننا لا ينبغي أن ننسى هنا أن بعض الأمم المتحضرة تخص الابن البكر بإرث الوالد، فتكون البنت عندهم محرومة بالكلية من أي حق في إرث والدها. فأين يجيء ذلك مما فرضه الإسلام؟

حق الطلاق

ويعترضون بأن الإسلام جعل حق الطلاق للرجل دون المرأة، وفي ذلك تمييز له عليها، وما دروا بأن الحكمة في ذلك تقليل حوادث الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله على ما يروى، فإذا نظرنا من وجهة واقعية إلى علاقات الأزواج بعضهم مع بعض، وما يمكن أن تتعرض له هذه العلاقات يوميا من توتر ثم انقطاع، نجد أن الطلاق يتهدد الحياة الزوجية كل يوم بسبب الخلافات التي تنشب عادة بين الأزواج. والمرأة بسرعة انفعالها ولكونها قد تكون لها ضرة أو ضرات، لا بد أن تلجأ إليه أكثر من الرجل، ظانة أن فيه راحتها من متاعب الزوجية. مع أن حقيقة التعب النفسي والجسماني هي في تأيمها وحياتها بدون زوج، بخلاف الرجل فإنه أكثر ضبطا لعواطفه، وأكثر تقديرا للموقف، ولا سيما حين يكون زوجا لأكثر من واحدة فلا يسرع إلى الطلاق إسراع المرأة، ولا يرى فيه الخلاص الذي تراه المرأة في مشاكل البيت التي لا معدى عنها، وذلك فضلا عن أنه الذي دفع الصداق، وأنفق الكثير من ماله في تكوين هذا البيت المهدد، فهو إن لم يمسك عن الطلاق، لمانع أدبي، فلا بد أن يمسك عنه لمانع مادي. وهذا هو معنى قول فقهائنا بلغة الفقه الساذجة (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، ولعله لو وضع إحصاء في بلاد أوربا وأمريكا التي تتابعت الآن في الطلاق تتابعا كبيرا، بعد أن كانت لا تقول به، لوجد أن أكثر طالبيه من النساء، وإن لم يكن كذلك فلا بد أن يكون عامل تبرج المرأة وتحللها من كثير من الواجبات الخلقية ذا أثر بليغ في حمل الرجال هناك على الطلاق.

وإذا كان الإسلام لم يجعل للمرأة حق الطلاق مباشرة، فقد جعله لها بواسطة: وهي أن تشترطه في عقد الزوجية، أو أن تختلع من الزوج ببذل بعض العوض في مقابلة النفقات التي اقتضتها رابطة الزواج، وأعظم من ذلك أنه جعل لها الحق في دفع التهمة عن نفسها بمجرد يمين تسمى لعانا، فتحرر بذلك نفسها وشرفها. وليس لهذا التشريع وجود في قانون غير قانون الإسلام، مع أن مورده هو أكثر الأسباب لوقوع الطلاق في بلاد الغرب. على أن الكثير من فقهائنا ذهبوا في الستر على المرأة إلى أبعد من هذا الحد، فقرروا أن أمد الحمل في أقل تقدير: ستة أشهر وفي أكثره: خمسة أعوام. فإذا جاءت المرأة بولد لأقل الأمد، وهي في عصمة زوجها، أو لأكثره، وهي مطلقة أو متوفى عنها، فهو ولد شرعي لا يحق للزوج ولا لأهله أن ينفوه عنهم مع مخالفة ذلك للنواميس الطبيعية. ولكن الشارع الإسلامي الذي أمر بالمحافظة على الأعراض والأنساب وقال: «ادرأوا الحدود بالشبهات ... والولد للفراش» أتاح الفرصة الاجتهادية في هذا الحكم للفقهاء الأعلام، فحموا بذلك المرأة المسلمة بل الأسرة الإسلامية من أن يتطرق إليها القيل والقال. اللهم إلا إذا ألح الزوج في الأمر، فالمخلص هو اللعان المذكور آنفا.

دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص 17

مثل قولنا أي قول المالكية من أنها على النصف من دية الرجل.

هذا هو حكم المسألة في المذاهب الإسلامية، ولا يخفى أنه بعد الحكم بضعف الحديث تبقى المسألة اجتهادية ولا يكون المذهب الفقهي حجة على الإسلام إذا خالفه غيره، فكيف إذا كان سنده ضعيفا. وقد تساويا في القصاص في القتل والدية إنما هي تقويم للدم فلا مندوحة عن التساوي فيها أيضا.

والخلاصة أن المرأة في الإسلام لها مركز اجتماعي هام، ولها من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات فهو يعتبرها عضوا عاملا في الهيئة الاجتماعية: تسعد الأمة بسعادته، وتشقى بشقائه، ولم يزو عنها من التكاليف إلا ما زوته عنها الطبيعة وكان لا يتوافق وكرامتها التي يحرص كل الحرص على حفظها وعدم المساس بها ...

وقد تبجحت الأمم المعاصرة كثيرا بتحرير المرأة، ولكنها -قانونيا- لم تسمح لها بعشر ما سمحت لها به الشريعة الإسلامية منذ أربعة عشر قرنا، اللهم إلا مظاهر فارغة وتمويهات باطلة تغر وتغوي، ولكنها لا تغني من الحق شيئا. فمن السخف المقارنة بينها وبين الحقائق الثابتة التي لا يتطاول إليها الشك والارتياب.

تلك المكارمُ لا قَعبانِ من لبَن شِيبَا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت