فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 43

والطبراني من طريق هشيم عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، أن خنساء بنت خدام الأنصارية زوجها أبوها وهي كارهة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها، ولم يقل فيه بكرا ولا ثيبا، وقد جاءت أحاديث بمثل حديث خنساء، منها حديث عطاء عن جابر أن رجلا زوج ابنته بكرا ولم يستأذنها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما، أخرجه النسائي، ومنها أن ابن عمر رضي الله عنهما تزوج ابنة خالد وأن عمها هو الذي زوجها، وفيه: فأتت النبي صلى الله عليم وسلم فرد نكاحها، أخرجه الدارقطني.

ومنها حديث ابن عباس، أن جارية بكرا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني، ورواه أيضا عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وذكر أنه أصح، ثم قال العلامة العيني: (وقد احتج أصحابنا بأحاديث الباب وبهذه الأحاديث على أنه ليس للولي إجبار البكر البالغة على النكاح)

وفي التوضيح: اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنه لا يجوز ويرد احتجاجا بحديث خنساء وغيره.

وقد شذ الحسن البصري والنخغي، فخالفا الجماعة فقال الحسن: نكاح الأب جائز على ابنته بكرا كانت أو ثيبا كرهت أو لم تكره، وقال النخغي: إن كانت البنت في عياله زوجها ولم يستأمرها، وإن لم تكن في عياله أو كانت نائية عنه استأمرها، ولم يلتفت أحد من الأئمة إلى هذين القولين، لمخالفتهما السنة الثابتة في حديث خنساء الأنصارية وغيرها).

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليم وسلم: لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، قال: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت؛ رواه الجماعة.

ولعل هذا هو الذي تمسك به المالكية فجعلوا للأب إجبار ابنته البكر على النكاح دون الثيب فقد قالوا في هذا الحديث: إن الرسول صلى الله عليه وسلم غير في جانب الثيب بالاستئمار وفي جانب البكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر للمستأمرة، ولهذا يحتاج إلى صريح إذنها، فإذا صرح بمعنه امتنع اتفاقا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت، بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، ولكن يعكر على هذا الفهم الآثار الواردة في صحيح البخاري، وقد ذكرت في طليعة المقال، كما يحتج على المالكية بأحاديث أخرى صحيحة مروية عن أم المومنين عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم، قلت: إن البكر تستأمر فتستحيي فتسكت، فقال: سكوت البنت إذنا للأب بتزويجها إلا إذا كانت تعلم ذلك، فإن كانت لا تعلم فينبغي إعلامها، وكذلك الحديث الذي رواه أحمد عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وأن أبت لم تكره.

ثم لنستمع إلى هذا الأثر الشريف الذي رواه ابن ماجه وأحمد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من الأمر شيء)، تعني أنه ليس لهم إكراههن التزوج بمن لا يرضينه.

أليست هذه الأحاديث صريحة في اعتبار الرضي من البنت التي يراد تزويجها؟

قال الإمام المجتهد العلامة الشوكاني في نيل الأوطار: (ظاهر أحاديث الباب أن البكر البالغة إذا زوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وذهب مالك والشافعي والليث وابن أبي ليلى وأحمد وإسحق، إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان، ويرد عليهم أيضا بحديث عبد الله بن بريدة وحديث ابن عباس المذكور أن جارية بكرا ... الخ.

وأما ما احتجوا به من مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها، فيجاب عنه بأن المفهوم لا ينتهض للتمسك به من مقابلة المنطوق.

وما أجاب به بعضهم من أن المراد بالبكر، المذكورة في حديث ابن عباس، اليتيمة، لما وقع في الرواية الأخيرة من حديثه: واليتيمة تستأمر، فيحمل المطلق على المقيد، يجاب بأن اليتيمة هي البكر، وأيضا الروايات الواردة بلفظ تستأمر وتستأذن (بضم أوله) هي تفيد مفاد قوله يستأمر أبوها وزيادة، فلا تعارض بين الروايات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت