فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
واقبلوا يستغلبون بلاده واحدة بعد أخرى، واستصرخ أهله جيرانهم فاستجابوا، ومضوا يدفعون عنه البلاء، واستشهد منهم في ميادين الأندلس آلاف بعد آلاف، والخطر مع دلك محيط به لا يريم، كأنما هو قضاء قد حم ولا حيلة، ومازالت حواضر الأندلس تتهاوى كأنها أوارق خريف قد سقطت (غرناطة) أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وغرق الأندلس في ليل الزمان الطويل، ولم تعد لدينا منه إلا ذكريات تبعث الحسرات، وحرص العدو على أن يزيل آثارنا من ذلك البلد، الذي كان لنا حتى لم يبقى على مئذنة يتردد منها آذان، أو نفس يتردد بلغة العرب، أو قلب ينبض بدعوة الإسلام، ولم يبق باديا للعين منه غير حطام يطفو علة الأمواج،
ولقد حل القضاء بهذا القطر وهو في ريعان شبابه: ففي السنين الأوليين من القرن الحادي عشر الميلادي كانت جيوش المنصور ابن أبي عامر قد جمعت شبه الجزيرة كله إلى لواء العروبة والإسلام، ووصلت (شنت ياقب) في الطرف الشمالي الغربي واستعادة برشلونة، وفي السنة الثالثة من ذلك القرن توفي المنصور، وما هي إلا سنوات ست حتى انهار البناء وتفرق الاندلس وزلزلت خلافته زلزالا شديدا، وحلت بأهل البلد لعنة الانقسام، وبدأت تصفية ذلك التراث العظيم. وهذا أشد ما يبعث الحسرة، فقد ضيعنا بلدنا بأيدينا، وتهاونا بأمره حتى ضاع، فهي حسرة وندم، وهي مأساة خلقية يستشعر كل منا نصيبه من مسؤوليتها.
ولقد كان الأندلس من بين أفراد الأسرة العربية الإسلامية اصغر الأبناء سنا، فقد فتح بعد الشام ومصر بنحو ثمانين سنة، وبعد بدء فتح المغرب بنحو سبعين سنة، وكان مع هذا من أنجب أبناء الأسرة وأسرعهم نضوجا، فقد تم فتحه أوائل سنة 95 للهجرة، وما وافى عام 138 للهجرة حتى استقامت فيه دولة عربية مروانية قوية العدد، مكتملة الأدوات، يرعاها عبقري من عباقرة قريش، عبد الرحمان بن معاوية المعروف بالداخل، وخلفه أبناء فحول عرفوا كيف يؤتلون الملك، ويشدون السلطان ويقيمون راية العروبة والإسلام. فما قارب القرن الهجري الثاني على النهاية حتى كانت دولة الإسلام في الأندلس تضاهي دولة بني العباس في المشرق، وأشرقت قلوب أهل البلد بنور الإسلام وجرت ألسنتهم بفصاحة اللغة العربية على صورة لا نكاد تجد لها مثالا في قلب بلاد العروبة.
ففي ذلك الحين: (أواخر القرن الهجري الثاني وأوائل الثالث) نبغ في الأندلس من أهل الدين والفقه ورجال الأدب والفصاحة جمهرة لا نظفر بما يضاهيها في مصر مثلا، إلا في القرن الرابع الهجري على أيام الفاطميين، ففي ذلك الحين كان يحكم الاندلس الحكم ابن هشام: أمير ذكي قادر حازم يذكرنا بجده عبد الملك ابن مروان، وتلاه عبد الرحمن الأوسط الذي جمع بين تقي عمر بن عبد العزيز وتدبير هشام بن عبد الملك وشاعرية الوليد بن يزيد، وأزهر بلاطه برجال يعدون من مفاخر العروبة والإسلام، فيه الفقهاء من طبقة يحيى بن يحيى وعيسى بن مسكين وعبد الملك بن حبيب وزياد بن عبد الرحمن، وشعراء لازلنا نردد أشعارهم كيحيى بن حكم المعروف بالغزالى، وعباس بن فرناس واحمد بن عبد ربه ومؤمن بن سعيد، وفيهم قادة خفقت فوق هاماتهم الوية النصر، وساسة عرفوا كيف يديرون الأمر بأحكم مما استطاعه وزراء بني العباس دون عسف للناس أو جور في الجباية أو مصادرة لذي مال، ويكفي أن نذكر بني عبدة وبني شهيد وبني فطيس وبني رستم وبني الزجالي ومن إليهم ممن امتازوا بالإخلاص للدولة والحرص على صالح الرعية والتفاني في نصره الإسلام، وفي ذلك العصر بالذات كانت فارس ترتد من العروبة إلى الإيرانية، وبعد أن جرت السن أهلها بلغة العرب خلال الفترة الأخيرة من عصر بني أمية أخذت العربية تنحسر حتى تلاشى أمرها فيما يلي العراق شرقا، وكانت الشام تجتهد في الحفاظ على كيانها وحدودها بعد أن صرف بنو العباس نظرهم عنها واشتد وزراؤهم من الفرس على عربها، وكانت عروبة مصر في دور التكون، لم تجر السنة عامة أهلها بعد العربية، ولم يفق أهلها بعد من دهشة الفتح الإسلامي وكان المغرب يستعرب رويدا رويدا تفرق أهله نزعات العصبية وخلافات المذهبية، ما بين سنية مالكية تؤسس نفسها في القيروان، وشيعة حيرى لا تستقر على حال قي تاهرت، وتشيع ضعيف غير واضح عند أدارسة فاس، واباضية وصفرية وخارجية تتنازع قبائل البربر وتتقاسمهم؛ في ذلك الحين كان الاندلس وهو أقصى بلاد الإسلام قربا وأحدثها مولدا قد أصبح بلدا عربيا إسلاميا صرفا، له شخصيته العربية وكيانه المتنقل القوي وشعبه الذكي الدءوب وأزهرت قرطبة حتى فاقت الفسطاط والقيروان والبصرة والكوفة وما إليها من عواصم الإسلام الأولى، وربما كان ذلك النضج المبكر والتصعيد السريع من أسباب الأفول المبكر أيضا، فإن ذكاء المرء محسوب عليه، والشهاب المتوهج يخبو بأسرع مما يتلاشى في ظلام الأفق نور النجم الصغير الذي يتألق على بعد في هدوء ...