فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولقد ذهب الناس مذاهب شتى في تعليل هدا النضج الباكر الذي يبعث على العجب، والاندلسيون أنفسهم كانوا يردونه إلى امتيازهم على غيرهم بالذكاء وحسن الاستعداد، وكان لهم بأنفسهم زهو واعتداد يبغضانهم في بعض الأحيان إلى معاصريهم، وكانوا هم حريصين على أن يظهروا للناس امتيازهم، فكان شعراؤهم يزرون بشعراء المشرق ويأبون إلا أن يضاهوا أعلامهم، وكان فقهاؤهم لا يرضون عن فقه المشارقة حتى أنهم لم يأذنوا لحنفي أو شافعي بالاستقرار في بلدهم، فإذا ذهب طلابهم إلى المشرق وجلسوا في قاعات الدرس لم يكن لهم هم إلا إحراج الشيوخ والسخر مما يقولون، فإذا وفد عليهم أديب أو عالم مشرقي تجمعوا حوله واخذوا يتتبعون سقطانه وأخطاءه حتى تضيق به الحياة في بلدهم، وأما أهل الجغرافية فينسبون ذلك إلى أن الاندلس جمعت بين الإقليمين الرابع والخامس، فادا كانت قرطبة وما وازاها في الرابع فان سرقسطة في الخامس، وكان الناس يرون يرون أن خير البشر هم أهل هذين الإقليمين، وقد جمعوا للأندلس خيراتهما جميعا، بل أضافوا إليه فضائل أقاليم أخرى: قال أبو عبيد البكري: «الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، اهوازية في عظم جبابتها، صينية في جواهر معادنها مدنية في منافع سواحلها.
وربما تعرضنا لكثير من الخطأ إذا ذهبنا نطلب أسباب ذلك النضوج المبكر، لان مراجع تاريخ الأندلس الأصيلة قد ضاع معظمها، فلم يبق لنا مما كتب آل الرازي وابن حيان وغيرهم إلا قطع صغيرة متفرقة تتعلق بعصور دون عصور، ونواح دون نواح،
وليس لدينا عن الأندلس في عصره الأول شيء مفصل يشبه ما كتبه ابن عبد الحكم والكندي والمقريزي عن مصر، وما كتبه الحافظ بن عساكر عن الشام، أو ما كتبه الخطيب البغدادي عن بغداد. وذلك العصر الأول هو الذي يهمنا في هذه الدراسة، ولو عثرنا على ما كتبه أحمد بن محمد الرازي وابنه عيسى وراويتهما أبو مروان بن حيان عن الأندلس في عصر الولاة وعن قيام دولة عبد الرحمان الداخل، لاستطعنا أن نتحدث في شيء من الاطمئنان، أما والحال كما نرى فليس أمامنا إلا فروض وآراء، نجمع لها الأدلة مما بين أيدينا من أحاديث متفرقة وروايات متناثرة.
ولقد رأينا أبا عبيد البكري، يقول: أن الأندلس شامية في طيبها وهوائها، ويردد ذلك القول معه معظم من كتب عن الأندلس، بل ذهب بعضهم إلى المطابقة بين الشام والأندلس، فقالوا أن قرطبة هي دمشق، أو أن غرناطة هي دمشق، واشبيلية حمص، وباجة هي فنسرين، وما إلى ذلك، ولم يكن قولهم هذا مجرد تشبيه شعري بل هو يستند إلى واقعية تاريخية يعرفها الملمون بتاريخ الأندلس، خلاصتها أن أبا الخطاب الحسام بن ضرار الكلبي أحد ولاة الأندلس قبل دخول عبد الرحمن، ضاق بما كان بين اليمنية والشامية من حروب في الأندلس، فرأى أن يفرق جند الشامية في النواحي ليبعدهم عن العاصمة، فاختار لكل طائفة منهم ناحية تشبه موطنهم الأصلي في الشام، ففرقهم في خمس كور هي اشبيلية وجيان وباجة وريه والبيرة، فنزلوا بلادا مثل بلادهم واستقروا فيها وكثروا وتمولوا، وأطلق كل منهم اسم موطنه القديم من الشام على موطنه الجديد في الأندلس.
وربما رد الأندلسيون امتياز أنفسهم على غيرهم إلى تأثير النجوم أو إلى انتشار العرب في أقطارهم واختلاطهم بأهلها، فأبن غالب مثلا يقول في كتابه «فرحة الأنفس» أن بطليموس جعل لهم من أجل ولاية (الزهرة) لبلادهمٍٍ حسن الهمة في الملبس والمطعم والنظافة والطهارة والحب للهو والغناء وتوليد اللحون، ومن أجل ولاية (عطارد) حسن التدبير والحرص على العلم وحب الحكمة والفلسفة والعدل والإنصاف» ثم يقول بعد ذلك: وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم وقلة احتمال الذل والسماحة في بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع وانيان الدنية، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم ... إلى آخر كلامه الذي يغادر فيه فضيلة من فضائل البشر إلا نسبها إلى أهل بلده.
والقارىء لمثل هذه الأقوال يرى أن الأندلسيين كانوا يعتقدون اعتقادا راسخا بان الله خصهم بما لم يخص به غيرهم، وكانوا لا برون حرجا في التحدث عن أنفسهم في فخر المعجب بنفسه، المذل على غيره، فقد كانوا يرون أن ذلك أمر مسلم به لا يحق لأحد أن يماري فيه، وإنما هم كانوا يبحثون عن أسباب هذا الامتياز.
ولو مضينا نقرأ ما كتبوه عن أنفسهم في ذلك المعنى لعجبنا من ذلك الشعور العام الذي كان يملأ نفوسهم بأنهم ممتازون، بل لوجدناهم يتسابقون في ذلك، فما قال قائل منهم شيئا إلا استقله غيره وزاد