فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 54

إلى تدريب الطفل على الفقه العلمي، وتفقيهه في مبادئ علم الدين بكيفية عامة، وما يهم العبادات بكيفية خاصة، ويحق لي أن أتساءل: كيف يمكن للمعلم أن يشرح للتلاميذ نواقض الوضوء في القسم الابتدائي الثاني إذا سار حسب توزيع المنهاج وكيف يوضح لهم ألطاف المرأة ومس الذكر، وخروج المني بلذة معتادة، وصلاة القصر وشروط ما يستجمر به.

وكيف يفسر لهم في القسم المتوسط الأول الاعتكاف ومحله وأيامه ومبطلاته ومباحاته، وماذا سيجنون من معرفة هذا الركن الهام في عصر الامتزاج والسرعة والاستكشاف، وفي القسم المتوسط الأول كيف يبين المعلم للتلاميذ الذبح والنحر والعقر والحيوان المعلم وزكاة ما ليس له نفس سائلة وما يباح من الطعام والشراب، وما يكره وما يباح للمضطر إلى غير ذلك من المعلومات التي جمعت جمعا وحشرت حشرا بدون روية أو تفكير ... لنضرب صفحا عن كل ذلك، ولنبدأ من جديد في وضع منهاج قويم للتربية الدينية، يتناسب ونبل أهداف ديننا الحنيف ومقاصده السامية.

إن التربية الدينية الحقة تكون منهاجا متحدا لا يفرق بين مادة وأخرى وإنما يهدف لخلق الروح الدينية وتعهدها والاستفادة منها في تقويم المجتمع وإصلاح الفرد والأمة.

أريد اليوم أن أحدث القراء الكرام عن وسائل التربية الدينية الصحيحة وقد استعنت في هذا البحث بآراء صائبة لمربين أفذاذ، وأبحاث قيمة لطائفة من علماء الدين الأبرار، وقبل أن أدخل في صلب الموضوع أريد أن ألقي نظرة عاجلة حول أسباب ضعف التربية الدينية عندنا، لأنني متيقن أن كل إصلاح لا يمس وضعيتنا الجوهرية يكون عقيما عديم الجدوى.

إن تقهقر التربية الدينية عندنا راجع إلى أسباب اجتماعية وسياسية يمكن تقسيمها حسب الشكل الآتي:

1)العوائد العتيقة:

لقد ظل المغرب منذ عهد بعيد بمعزل عن كل تطور روحي، فتسبب هذا الانعزال في توطيد كيان العوائد والخرافات، وتسلط الأوهام على العقول، حتى اختلطت العوائد والتبس أمرها على الناس فصاروا يعدونها بمثابة تشريعات دينية، لها حرمتها وقداستها، ومما زاد الطين بلة هو تقمص كثير من المشعوذين إزاء المرشدين الدينيين، فاتخذوا من الدين طلاء لظفرهم السام، وساعدهم على التضليل جهل الشعب المسكين وبساطة إيمانه.

2)الاستعمار:

لقد عرف الاستعمار أن أخطر سلاح يمكن الأمة المغربية من استقلالها هو تمسكها بروح تعاليم دينها الحنيف، فعمد إلى تضليل الناس وشجع المشعوذين ومد لهم في حبل الكذب والغش والتدليس، وسعى لبث سموم المدنية الغربية وأوحالها، في صفوف المثقفين ليشبوا على الزندقة والإلحاد وذلك بجميع مختلف وسائل الإغراء، وهكذا تمكن من استعمار كياننا الثقافي وخنق جميع الأنفاس التي يشم منها دعوة إلى الدين الصحيح.

3)عقم المناهج التي تتصل بالتربية الدينية، وركاكة الأساليب المتبعة في التعليم الديني؛ ونظرة واحدة على الكتب المقررة للتربية الدينية في جامعة القرويين تكفي للدلالة على تأخرنا وتقهقرنا في هذا الميدان الحيوي.

4)اتصالنا بالحياة الأوربية في ظروف كان المغرب يعيش أثناءها في انحلال اجتماعي وانحطاط معنوي، فلم يكن من اليسير على أمتنا أن تقاوم بضاعة الاستهتار ودعوة الفسوق والإغراء، من مواخير وأوكار للبغاء، إلى صالات للرقص والغناء، وأفلام هي مثال للخلاعة والمجون وللرذيلة كما هو معلوم ببريقها الذي يخطف الأبصار ومغرياتها التي تعمي القلوب والأنظار. قال جل علاه: ?فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ? [الحج: 46] .

هذه نظرة خاطفة عن بعض أسباب تأخر التربية الدينية عندنا، ورغم اقتضابها فمن اليسير أن نستخلص منها أن المنهاج الذي نريد أن نضعه لتربية أبنائنا تربية دينية صالحة، والأساليب التي نود رسمها لتحقيق هذه الغاية السامية، لا يمكن أن تؤتي أكلها إذا لم يشمل الإصلاح جميع مرافقها الحيوية، ويتناول بالخصوص القيم المعنوية، لأن الوعي الديني الصحيح هو أساس التربية الدينية الصالحة. وننتقل إلى دراسة الإصلاحات التي ينبغي أن نقوم بها لبناء منهاج ديني ناجح، ويجب أن ننبه إلى أن التربية الدينية التي تعتمد على المعرفة والتحصيل فقط قد تخلق لنا علماء في الدين، ولكنها لا تخلق لنا أشخاصا مهذبين، إنه من الخطورة بمكان أن نعلم الدين على أنه مجرد مادة دراسية، لها منهاج محدد، وموضوعات خاصة، وكتاب مقرر. فالدين أكرم من أن يعامل تلك المعاملة، وهو أشد التصاقا بطبيعة الأطفال وأعمق أثرا في حياتهم، وهو أسمى من أن نعلمه في مدارسنا على أنه تمرين عقلي، أو موضوعات متفرقة في الوعظ والإرشاد، لأن حقيقة الدين هي التوجيه الاجتماعي والتنظيم السليم للحياة، فالدين ينبغي اعتباره قبل ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت