فهرس الكتاب

الصفحة 1608 من 5287

وما بقي عليهم ألا أن يواصلوا مهمتهم (الصليبية .. ) في تونس والمغرب، بتطبيق نفس السياسة التي اتبعوها في الجزائر، مع تحويل بسيط يقتضيه اختلاف البيئة والمكان والأحوال الاجتماعية. وإبراز عمل للحماية الفرنسية في هذا المجال، هو إصدار «الظهير البربري» المشؤوم في المغرب. وإثارة مشكلة (التجنيس) في تونس، وغير هذين الحادثين مما تضمنه (تصميم) السياسة الفرنسية، الذي وضعه عباقرة الاستعمار خصيصا لربح الحروب الصليبية في المغرب العربي، كما ربحوها في المشرق العربي .. ولكن ...

ولكن يبدو أن واضعي التصميم الصليبي لم يكونوا على قدر كبير من المهارة، لذلك اغفلوا تقدير الواقع، وأهملوا وضع الأمور في نصابها، وربط الفروع بأصولها. فأضاعوا على أنفسهم أسباب النجاح، وفشل مشروعهم، وانهار كل ما شيدوه على الرمال، من حلو الأماني والآمال .. انهار مع وتبات الأحرار في تونس والمغرب على معاقل الاستعمار، وأوبنهم من ميدان المعركة يحملون رايات الظفر والانتصار. ولسان حالهم يشدو مع الشاعر الجزائري بقوله:

للمغرب العربي صولة ضار كذب الذين نعوه بل هو لم يزل يا ويح الاستعمار تقوضت ووثوب مقدام على الأخطار غاب الأسود وموطن الثوار آماله كالهيكل المنهار ..

ثم ماذا؟

ثم أظهرت الأيام، وأبان الواقع الملموس منذ أكثر من ربع قرن، أن ما منى به الفرنسيون أنفسهم في الجزائر كما في القطرين الشقيقين، أضغاث أحلام، وما هم بتأويل الأحلام بعالمين. بل ما هو إلا سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا وأن ما زعموه من موت الإسلام والعربية في هذا الوطن، ليس له حظ من الواقع ولا نصيب من الصحة، لأن بذور الحياة الكامنة في طبيعة هذا الدين ولغته، وجذور الإيمان الممتدة في أعماق هذا الشعب العربي المسلم، لا تقوى ولن تقوى أية قوة مادية أن تقتلها في مكمنها، أو تقتلعها من منابتها، ولن تستطيع أن تعفي عن آثارها وتأثيرها الفعال في النفوس والعقول. تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

وهذا ما تجلى بوضوح خلال معارك الكفاح الوطني، التي خاضها شعب الجزائر العربي الأبي، ضد أعداء دينه، ومغتصبي وطنه، طيلة ربع القرن الأخير، في الميدان السياسي والثقافي والأدبي، قبل أن يضطره أمعان فرنسا في بغيها الاستعماري العنيد وفقدانها منطق الرشد والعقل، لخوض معركة الكفاح التحريري المسلح، منذ ما يقرب من خمسة أعوام، ذبادا عن حمى الوطن المفدى وحقه في الحرية والاستقلال. متمثلا يقول الشاعر العربي الخالد:

(السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب)

أن جهاد الجزائر الحالي يوثق الرابطة بين ماضيها الناصع، وحاضرها المشرق، ويعبر بصدق عن أهدافها المعنوية والإنسانية، التي يناضل لتحقيقها في نطاق ما تطلبه منها حقيقتها العربية والإسلامية، من مسؤوليات حاضرة ومستقبلة، ضمن الوحدة العربية الشاملة، ولتختم هذه الكلمة بما صرح به أخيرا رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية:

«إن الشعب الجزائري يتابع جهاده الآن أكثر من كل وقت مضى، وأن العرب كلهم يؤيدون هذا الشعب في جهاده لتحرير بلاده، أن فرنسا أرادت أن تقضي على عروبتنا وديننا، وأن تجعلنا جزءا من الشعب الفرنسي. إلا أن الجزائريين يأبون ألا أن يحافظوا على عقيدتهم الإسلامية، وقوميتهم العربية» .

نحن ثرنا فلات حين رجوع أو ننال استقلالنا المنشودا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت