فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 60

فنحن نعلم أن لقب أمير المومنين كان خاصا بالخليفة لا يخاطب به غيره.

وقد استقل المغرب عن التبعية لدولة الخلافة منذ أن قدم إليه المولى إدريس الأول وأسس به الدولة الأدريسية.

وتعددت بعد ذلك الخلافات في العالم الإسلامي، فقام إلى جانب الخلافة العباسية في بغداد، خلافة أموية ثانية بالأندلس، وخلافة فاطمية في مصر.

ومع ذلك فقد ظل الملوك الذين تعاقبوا على عرش المغرب من عرب وبربر، بعيدين عن التسمي بالخلافة أو التلقب بألقابها، وجاءت دولة المرابطين، وأصبح بطلها يوسف بن تاشفين ملكا لإمبراطورية قوية واسعة الأرجاء، لا نسبة بين قوتها وبين الضعف الذي كانت الخلافة العباسية في بغداد قد آلت إليه، ولكن يوسف بن تاشفين مع ذلك لم يعلن نفسه خليفة، ولم يتلقب بأمير المومنين، وإنما تلقب بلقب آخر، يدل على مكانته وقوته من جهة، ويحفظ عليه تأدبه مع الخلافة واحترامه لها من جهة أخرى ذلك هو لقب (( أمير المسلمين ) ).

بل إن يوسف بن تاشفين قد ذهب إلى أبعد من ذلك، فبعث إلى المستظهر بالله، الخليفة العباسي يطلب منه أن يعقد له على ما تحت يده من البلاد، وبلغة العصر، فإن يوسف بن تاشفين، حاول أن يدعم مركزه بالاعتراف الشرعي أو الرسمي من دولة الخلافة وقد كان له ما أراد، فاعترفت به دولة الخلافة رسميا، وظلت العلاقات بينها وبينه على خير ما يمكن من الود والطيبة، تعترف له الخلافة بالسلطة المدنية على مملكته، ويعترف لها هو بالسلطة الروحية المستمدة من الشرع، واستمر الحال على ذلك، إلى أن انقرضت دولة المرابطين وقامت على أنقاضها الدولة الموحدية.

توفي المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، وولي الأمر بعده تلميذه وصديقه عبد المومن بن علي جد يعقوب المنصور، فلم يجد نفسه في حاجة إلى أن يقف من الخلافة العباسية في بغداد، ذلك الموقف التقليدي الذي اختطه يوسف بن تاشفين من قبل، وإنما أضرب عن دولة الخلافة صفحا، فلم يتعرض لها بمعروف ولا منكر.

لم يعلن في المغرب -رسميا- خلافة أخرى كما فعل الأمويون بالأندلس من قبل، والفاطميون في مصر، وإنما اكتفى بأن يتخذ لنفسه لقب الخلافة الخاص، وأن يدعى هو الأخر: (أمير المومنين) .

قد يكون الذي منعه من أن يعلن رسميا هذه الخلافة، ما تواتر واستقر في الأذهان من أن الخلافة في قريش، وعبد المومن لم يكن قريشا كالعباسيين والأمويين والفاطميين، وإنما كان مغربيا بربريا، برغم ما حاوله هو نفسه أن ينتحل لنفسه نسبا في قريش.

ومهما يكن فإن عبد المومن لم يجد أي حرج في أن يتلقب باللقب الخطير، وأن يعتبر نفسه في مركز لا يقل عن مركز معاصريه من الخلفاء العباسيين والفاطميين.

ومات عبد المومن فخلفه على العرش ابنه يوسف ثم حفيده يعقوب المنصور، وأصبح لقب أمير المومنين أمرا واقعا، لا يكدره على أمراء الموحدين إلا أنهم بربر، وأن الخلافة في قريش. ويبدو أن حساسية الموحدين بذلك كانت مرهفة جدا، فقد كانوا بربرا بحكم الواقع، وكانوا يحرصون في نفس الوقت على أن يتجاهل الناس ذلك منهم، وأن يغضوا الطرف عنه، وأن يلقبوهم باللقب الذي اختاروه لأنفسهم، لا يجدون في ذلك غضاضة، ولا يحسون بما يشم فيه من تناقض، ذلك التناقض الذي لا نستطيع نحن أن نحسه إلا إذا انسلخنا من عقليتنا العصرية، وتقمصنا روح العصر الذي كان يعيشه الموحدون، يوم كان النسب عاملا من العوامل الرئيسية في تحديد مركز الشخص وقيمته وأهليته، بل وفي تحديد الألقاب التي يمكن له أن يختارها لنفسه أيضا.

المسألة إذن نفسية معقدة عميقة الجذور أكثر مما يبدو لأول وهلة.

ويكفي أن نعلم أن مما يذكره المؤرخون في تعليل محنة الفيلسوف أبي الوليد بن رشد على يد يعقوب المنصور نفسه أن ابن رشد قال في شرحه لكتاب الحيوان لأرسطو، عند ذكر الزرافة: (وقد رأيتها عند ملك البربر) ، يعني يعقوب المنصور.

ويكفي أن نعلم أيضا أن هذا اللقب الذي كان يحرص عليه الموحدون، لقب (أمير المومنين) كان يعرضهم أحيانا للتنكيت والسخرية والأجوبة اللاذعة، وهذا يوسف بن عبد المومن والد يعقوب المنصور، يطلب من حاجبه أن ينظر له من بالباب من الأصحاب والندماء، فيغيب الحاجب قليلا، ثم يعود ليعلن إليه أن بالباب أحمد الكوارني الشاعر، وسعيد الغماري الطبيب، وكانا معا بربريين، فيقول يوسف بن عبد المومن: من عجائب الدنيا، شاعر من كوران وطبيب من غمارة!! كأنما استكثر على البربر أن يكون فيهم ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت