فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 61

الأطباء والشعراء، ويعلم الشاعر الكوراني بجواب يوسف بن عبد المومن، فيقول: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، أعجب والله منهما خليفة من كومية) ، يعني: أعجب من ذلك، بربري يتلقب بلقب الخلافة وينحل مركزها.

الآن وقد عرفنا شيئا عن لقب أمير المومنين في حد ذاته، وعن موقف الموحدين من هذا اللقب، وإحساسهم النفسي المعقد نحوه، نريد أن نعود إلى موضوعنا لنرى ما إذا كان لهذا اللقب فعلا أي تأثير في قصة استنجاد صلاح الدين بيعقوب المنصور.

عدت إلى الجزء السادس من كتاب صبح الأعشى للقلقشندى أعيد قراءة نص الرسالة التي بعث بها صلاح الدين الأيوبي إلى يعقوب المنصور، فإذا أول هذه الرسالة:

(فتح الله بحضرة سيدنا أمير المومنين، وسيد العالمين، وقسيم الدنيا والدين، أبواب الميامين، وأسباب المحاسن ... ) إلى آخر هذه الرسالة التي وردت في صبح الأعشى في أربع صفحات كاملة.

وكدت أختم الموضوع لأنني وصلت إلى النتيجة التي كنت أتوخاها منذ البداية، وهي تزييف تعليل المؤرخين لامتناع يعقوب المنصور عن إنجاد صلاح الدين الأيوبي بكون هذا الأخير لم يخاطبه بأمير المومنين.

وكيف لا أختمه، وهذا القلقشندى الذي يعد المرجع الأول في تاريخ البرتوكول الإسلامي، وخصوصا فيما يتعلق بالمكاتبات الرسمية على اختلافها، واصطلاحاتها وآدابها وما يراعي فيها من الألقاب والصفات والتقديم والتأخير والإفراد والجمع وما إلى ذلك، هذا القلقشندى، يقول في المقدمة التي كتبها للفصل الذي أورد فيه نص رسالة صلاح الدين الأيوبي إلى يعقوب المنصور، متحدثا عن أسلوب (المكاتبة الصادرة على خلفاء الموحدين بالمغرب) عندما تكون من ملك آخر:

والرسم فيه أن تفتتح بالدعاء المناسب للحال، ويعبر المكتوب إليه بأمير المومنين، كما كتب القاضي الفاضل عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المومن أحد خلفائهم، في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، يستجيشه على الروم الفرنج القاصدين بلاد الشام والديار المصرية، وهو: فتح الله بحضرة أمير المومنين ... إلى آخره)

كدت أختم الموضوع، ولكني آثرت أن استمر في القراءة، فعدت إلى كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين) لأبي شامة شهاب الدين المقدسي، أعيد فيه هو أيضا قراءة نص رسالة صلاح الدين إلى يعقوب المنصور، فإذا بي أمام رسالة تختلف في نصها اختلافا كاملا عن نص الرسالة التي قرأتها في (صبح الأعشى) ، وإذا نص الرسالة الواردة في كتاب (( الروضتين ) )يشتمل على كل ما يمكن أن يخطر بالبال في المخاطبة من ألفاظ التمجيد والتبجيل والاحترام والتعظيم، ما عدا ... (( أمير المومنين ) ).

وعدت اقرأ في كتاب (( الروضتين ) )نفسه، ما قبل نص الرسالة وما بعده من التعليقات والشروح والأخبار والتواريخ، فإذا أبو شامة متثبت مما يقول، وإذا هو لا يكتفي بأن يورد نص الرسالة فقط، وإنما يذكر أيضا الطريقة التي حصل بها على نص هذه الرسالة كما يذكر الرسول الذي حملها إلى يعقوب المنصور، وما زود به من النصائح والإرشادات، وما لقنه من الأجوبة، كما يذكر الهدايا التي حملها معه، وتاريخ سفره بالضبط، بل ويذكر نوع المركب الذي حمله من الإسكندرية، وحمولته، وتاريخ وصول الرسول إلى طرابلس، ثم إلى مراكش، واجتماعه بالوزير أبي يحي ابن أبي بكر، وأخيرا تاريخ دخوله على يعقوب المنصور، ثم تاريخ خروجه من مراكش ووصوله إلى الإسكندرية من جديد.

ويختم أبو شامة هذا الكلام الطويل العريض، بفصل يقول في أوله:

(لم يحصل من جهة سلطان الغرب ما التمس منه من النجدة، وبلغني أنه عز عليهم كونه لم يخاطب بأمير المومنين على جاري عادتهم في ذلك)

إذن فنحن لا نزال ندور في فلك أمير المومنين.

ومع ذلك فإن أبا شامة المقدسي لا يكتفي بكل هذا، وإنما يورد إلى جانبه نصوصا كثيرة تعد ثروة في الموضوع.

منها- إلى جانب نص الرسالة الموجهة إلى يعقوب المنصور، وهي من إنشاء القاضي الفاضل- نص رسالة أخرى من القاضي الفاضل نفسه إلى شمس الدين عبد الرحمن بن منقذ الذي حمل الرسالة إلى يعقوب المنصور في رحلة استغرقت عشرين شهرا.

ومنها أيضا نص رسالة اعتذار من القاضي الفاضل أيضا، إلى السلطان صلاح الدين، عندما أخفقت سفارة ابن منقذ، وعلم أنها إنما أخفقت بسبب ما أغفله القاضي الفاضل من مخاطبة يعقوب المنصور بأمير المومنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت