فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 62
فإذا أضفنا إلى كل هذا أن القلقشندى متأخر- في الزمن- عن أبي شامة المقدسي، وأن المقدسي كان، قريبا جدا من الأحداث التي يتحدث عنها في الجزء الثاني من كتابه، وهو الذي خصصه للحديث عن حياة صلاح الدين الأيوبي، جاز لنا أن نرجح النص الوارد في كتاب المقدسي، وأن نعتمده مع احترامنا للقلقشندى، ولكتابه صبح الأعشى.
نعم، لو أمكن التوفيق بين النصين لما ترددنا في بذل الجهد في ذلك، ولكنهما مختلفان كل اختلاف، خصوصا فيما يتعلق بموضوع الإشكال الرئيسي، وهو لفظ (أمير المومنين) فإن أحدهما يثبته على أنه قاعدة مقررة، وثانيهما ينفيه، ويؤكد هذا النفي بنصوص أخرى كثيرة، وعلى جانب عظيم من الأهمية في الموضوع
هناك افتراض، لا أستطيع الآن أن أثبته ولا أن انفيه، هو أن تكون الرسالة الواردة في صبح الأعشى رسالة ثانية بعثها صلاح الدين إلى يعقوب المنصور، ليتدارك بها ما أغفله كاتبه، لكن الذي يطعن في هذا الافتراض منذ البداية، أن القلقشندى، يؤرخ الرسالة الواردة فيه بتاريخ متقدم على التاريخ الذي أورده أبو شامة المقدسي لرسالته، بنحو سنة على وجه التقريب.
إن هواي -شخصيا- مع القلقشندى، لأنه يثبت لقب أمير المومنين، وينهي الإشكال، ويزيف التعليل التاريخي الذي كان يبدو لنا منذ البداية غير منطقي وغير معقول، ولكن ماذا أصنع وحجج أبي شامة المقدسي أقوى، وبيانه أوضح؟، وهو يذكر الحادثة بكل ملابساتها ويؤيدها بالنصوص الكافية، مما لا يدع زيادة لمستزيد.
لم يبق بين يدي إذن إلا أن اعتمد كتاب الروضتين لأبي شامة المقدسي، وأن أسوق أطرافا من النصوص الواردة فيه.
إن أهم هذه النصوص، هو كتاب صلاح الدين إلى يعقوب المنصور، وهذا الكتاب لم يكتب بمحضر صلاح الدين، ولم يطلع عليه قبل إنفاذه، وإنما أرسل صلاح الدين رسوله من الشام إلى القاضي الفاضل في مصر، يأمره أن يكتب الكتاب ويبعثه.
فالظروف ظروف حرب، والحصار على أشده داخل أسوار عكا وخارجها، والأزمة مستفحلة، ولا مجال للأخذ والرد والمراجعة والمناقشة.
وقد فعل القاضي الفاضل، فكتب إلى يعقوب المنصور، كتابا يعد من عيون البلاغة العربية، وإن القارئ لهذا الكتاب ليعجب أشد العجب من يعقوب المنصور، كيف يقرأ هذا الكتاب أو يسمعه، فلا تتحرك له أريحيته، ولا تهتز عاطفته، ولا ينسيه ما كان بينه وبين الدولة الأيوبية من سوء تفاهم سابق، ولا يسرع بالنجدة المطلوبة منه، خصوصا وأن هذه النجدة، كما ورد في كتاب القاضي الفاضل إلى عبد الرحمن بن منقذ، غير محصورة في شكل واحد قد يتعذر تنفيذه، فإن في استطاعة يعقوب المنصور أن يبعث قطعا من أسطوله القوي، وفي استطاعته أن يقفل بوغاز جبل طارق في وجه الإمدادات العسكرية الغربية الزاحفة إلى الشرق الإسلامي، وفي استطاعته أن يساعد بالرجال أو بالمال إن عز عليه كل ذلك.
يقول القاضي الفاضل مخاطبا يعقوب المنصور على لسان صلاح الدين، بعد أن يذكر فتح المسلمين لبيت المقدس، ولكثير من الثغور التي كانت بأيدي النصارى:
(ولم يؤخر فتح البلاد بعدها إلا أن فرع الكفار بالشام استصرخ بأصل الكفار من الغرب، فأجابوهم رجالا وفرسانا، وشيبا وشبابا، وزرافات ووحدانا، وبرا وبحرا، ومركبا وظهرا، وركبوا إليهم سهلا ووعرا، وبذلوا ماعونا وذخرا، وما احتاجوا ملوكا ترتاهم، ولا أرسانا تقتادهم، بل خرج كل يلبي دعوة بطريكه، ولا يحتاج إلى عزمة ملكه ... وجلب الكفار إلى المحصورين كل مجلوب، وملأوا عليهم ثغريهم من كل مطلوب، لا تشرق شارقة، إلا طلعت على العدو من البحر طالعة، تعوض من الرجال ما قتل، وتخلف من الزاد ما أكل، فهم كل يوم في حصول زيادة ووفور مادة، وقد هان عليهم موقع الحصر، وأعطاهم البحر ما منعهم البر ... كلما أفناهم القتل أخلفتهم النجدة، فكأنهم قبل الممات يعودون.
وفي الإشارة إلى مضيق جبل طارق، واستعمال الغزاة الغربيين له في زحفهم على الشرق الإسلامي، يقول القاضي الفاضل:
(فإنه لولا احتجاز مقيمهم بالخنادق، واجتياز واصلهم بالمضائق، لكان لنا ولهم شأن) .
ثم يقول: (كان المتوقع من تلك الدولة العالية .. أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين، فيملأها عليهم جواري كالأعلام، ومدنا في اللجج سوائر كأنها الليالي مقلعة بالأيام) .
ومع ذلك، فإن يعقوب لم يتحرك، لماذا؟ لأنه لم يخاطب بأمير المومنين كما تقول كتب التاريخ، ولأسباب أخرى متعددة في الواقع، شرحنا بعضها فيما سبق، وإن كنا لا ننكر أن منها قصة أمير المومنين.