فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 63

وقبل أن ننتقل إلى النص الذي سيساعدنا على استجلاء قصة أمير المومنين هذه، نريد أن نورد فقرات من الرسالة الخاصة التي كتبها القاضي الفاضل إلى الأمير عبد الرحمن بن منفذ، الذي كلف بالوفادة على يعقوب المنصور، تبليغ الرسالة إليه، يشرح له فيها مهمته، ويلقنه الأجوبة التي قد يكون في حاجة إليها، وقد نقلنا من هذه الرسالة فقرات في بعض الفصول السابقة، فيما يتعلق بقضية قراقوش التقوي، وغزوه لأطراف المملكة المغربية، وننقل منها الآن فقرات أخرى.

فهو ينصح له أن (يستقري في الطريق وفي البلاد من أخبار القوم -الموحدين- في أحوالهم وآدابهم وأشغالهم وأفعالهم، وما يحبونه من القول، نزره أو جمه، ومن اللقاء منبسطه أو منقبضة، ومن القعود بمجالسهم مخففه أو مطوله، ومن التحيات المتهاداة بينهم، ما صيغته وما موقعه، وهل هي السنن الدينية أو العوائد الملوكية، ولا يلقه -أي يعقوب المنصور- إلا بما يحبه، ولا يخاطبه إلا بما يسره) .

والعبارة الأخيرة مهمة في الموضوع، فإن القاضي الفاضل، يوصي عبد الرحمن بن منقذ ألا يخاطب يعقوب المنصور إلا بما يسره، ولكنه هو، القاضي الفاضل، لم يخاطب يعقوب المنصور في الكتاب الذي كتبه إليه بما يسره، ولم يكن ذلك عن غفلة منه، وإنما كان متعمدا مقصودا، كما سيبدو لنا بعد حين.

ثم يمضي القاضي الفاضل في تلقين الرسول، إلى أن يقول:

( .. وإن كانت دون الأسطول موانع، إما لقلة عدة، أو شغل هناك بمهمة ... فالمعونة ما طريقها واحدة، ولا سبيلها محدودة، ولا أنواعها محصورة، تكون تارة بالرجال وتارة بالمال .. فلا ترضى همته أن يعين الكفر الكفر، ولا يعين الإسلام الإسلام، وما اختص بالاستعانة الا لأن العدو جاره، والجار أولى بالجار، وأهل الجنة أولى بقتال أهل النار) .

عاد عبد الرحمن بن منقذ بعد رحلة استغرقت عشرين شهرا، وعلم أن سفارته لم تنجح، بسبب ما أغفله القاضي الفاضل من خطاب يعقوب المنصور بأمير المومنين، ويبدو أن القاضي الفاضل قد تعرض لبعض اللوم أو التوبيخ بسبب ذلك، وأنه قد اعتبر مسؤولا عن إخفاق هذه السفارة، خصوصا وأن الرسول الذي جاءه من الشام، يحمل أمر صلاح الدين بتحرير كتاب إلى يعقوب المنصور، بلغه أن صلاح الدين نفسه يأمر بأن يخاطب يعقوب المنصور بلفظ أمير المومنين، بل أن الرسول قد امتنع من أخذ الكتاب ما لم يصرح فيه بهذا اللقب، لكن القاضي الفاضل كان له رأي في الموضوع تعصب له، وظل متعصبا له مستعدا للدفاع عنه، حتى بعد إخفاق السفارة.

إنه يعتبر خطاب يعقوب المنصور بأمير المومنين، اعترافا له بصفة الخلافة التي كان يريد أن يضفيها على نفسه، بل إنه يعتبر ذلك مبايعة، ومعنى ذلك نقض الولاء للخلافة العباسية التي كانت لا تزال قائمة حتى ذلك الحين، وإن لم يكن لها من الأمر شيء، والتي كان الأيوبيون يعترفون لها بالسلطة الروحية ويعتنقون بيعتها، بعد أن قضوا القضاء المبرم على دولة الفاطميين في مصر.

كان من رأي القاضي الفاضل أن في إمكان الرسول أن يخاطب يعقوب المنصور -مشافهة- بلفظ أمير المومنين، أما أن يكتب ذلك في كتاب رسمي، فإن ذلك قد يعتبر حجة، وقد يعتبر ضعفا وتخاذلا واستسلاما.

ولعل كل هذا واضح تمام الوضوح في الفقرات التالية، وهي فقرات من كتاب كتبه القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين، بعد إخفاق السفارة، وتحميله مسؤولية إخفاقها، يشرح له فيه القضية، ويبرر موقفه منها، يقول القاضي الفاضل:

( ... وعند وصول الأمير نجم الدين من المخيم المنصور-يعني مخيم صلاح الدين- فاوضه المملوك -يعني نفسه- بأنه لا يمكن إلا التعريض، لا التصريح، بما وقع له أنه لا تنجح الحاجة إلا به من لفظة أمير المومنين ... فأمسك مقدار عشرة أيام، ثم أنفذ إليه الأمير المذكور على يد ابن الجليس، بأن الهدية أشير عليه بالا يستصحبها، وإن استصحبها تكون هدية برسم من حواليه، وأن الكتاب لا يأخذه إلا بتصريح أمير المومنين، وأن عز السلطان عز نصره، رسم له ذلك ... فأجابه المملوك بأن الخطاب يكفي، وطريق حجتنا له ممكن، والكتابة حجة تقيد اللسان عن الإنكار، ومتى قرئت على منبر من منابر المغرب، جعلنا خالعين في مكان الإجماع، مبايعين من لا ينصره الله، ولا شوكة فيه، ولا يحل اتباعه ... شاقين عصا المسلمين، مفرقين كلمة المومنين .. والمومن لا يذل نفسه، وقاسم الأرزاق يوصلها وإن رغم من جرت على يده، فما يتخلى الله عنا، ولا تستمر هذه الشدة، ولا نسيء الظن بالله ... ولو علم المملوك أن هذا الذي استعفي منه يضره بحيث ينفع المولى أبقاه الله، لهان عليه، ولكنه مضرة بغير منفعة، وتعرض لما تذم عاقبته، أو يبقى على الخوف منه) .

وبعد، فقد كنت استهدف من كتابة هذا البحث، أن أزيف قصة أمير المومنين، ولكن يبدو أنني لم أزد على أن أكدتها وشرحتها بالرغم مني، وعذري في ذلك ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت