فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 64
أنه ليس لي أن أتحكم في تاريخ، أو أن أفرض عليه هواي، لقد أقنعتني النصوص، أو خففت من غلوائي على الأقل، وجعلتني أنظر إلى القصة التي كنت أريد أن أزيفها من زوايا متعددة، فإذا هي واقع ثابت لا سبيل إلى إنكاره، وإذا هي أعمق جذورا، وأكثر تشعبا وتعقيدا مما يبدو لأول وهلة.
ومع ذلك فإن في استطاعة هذا البحث المتواضع، أن يفضي بي إلى نتيجة مهمة، هي أن امتناع يعقوب المنصور عن إنجاد صلاح الدين الأيوبي، كانت له أسباب متعددة، ليست قصة أمير المومنين على تشعبها وتعقدها إلا واحدة منها، أو ليست إلا السبب المباشر، أو التعلة التي وجدها يعقوب المنصور أقرب إليه ليتوكأ عليها ويتعلل بها.
إنها أشبه بقصة جحا، عند ما قصده أحد جيرانه، يطلب منه أن يقرضه حبل الغسيل، لينشر عليه ملابسه، فاعتذر بأن الحبل مشغول، ولأنه وجد أهله قد نشروا عليه الدقيق!!!
أما باقي الأسباب وأهمها وأكثرها معقولية، فهو أن يعقوب المنصور كان مشغولا بفتوحاته وحروبه التي كانت هي الأخرى- كما ذكرنا من قبل- جزءا من الحروب الصليبية أو نوعا منها، خاض يعقوب المنصور غمارها وحده ضد الاسبان والبرتغاليين، كما كان من جهة أخرى موتورا ضد الدولة الأيوبية، بسبب ما جرت عليه من المتاعب والويلات، وما كبدته من الخسائر، عندما غزت مملكته بقيادة تقي الدين الأيوبي أخي صلاح الدين، ثم بقيادة مولاه قراقوش التقوي، وخلفائه من بني هلال وبني غانية، كما شرحنا ذلك بتفصيل في الفصل السابق.
ومهما يكن، فإن موقف يعقوب المنصور بالرغم من كل ما ذكرنا، لم يكن مشرفا بالنسبة إليه، ولا لائقا بما عرف به في التاريخ من عظمة ونبل وغيرة وعلم واتساع أفق.
لقد كنا نريد له أن يتوج عظمته بتناسي هذه الاعتبارات الثانوية التي لا تستطيع، أولا ينبغي لها، أن تصمد في وجه الاعتبارات الأولية الصحيحة، اعتبارات وجوب التماسك والتآزر والوحدة، والوقوف صفا واحدا في وجه العدو المغير، سواء حاول أن يغزونا باسم الدين، أو باسم المدنية، أو بدافع التنازع على النفوذ، أو باسم الطرد والإبادة والاحتلال الصريح، كما فعلت معنا إسرائيل في جزء من وطننا العربي الكبير.
إن التاريخ لا يعيد نفسه بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، ولكن الأسباب والمقدمات إذا تكررت ولو في صورة مقاربة، تنتج عنها عادة نفس النتائج أو ما يشبهها ويقاربها.
إن التاريخ يعيد نفسه بهذا المعنى الأخير، فهل من اللازم أن نعيد منه نحن نفس الأخطاء والأغلاط؟؟
هذه إسرائيل تجلب علينا بالمدافع والدولار والدس والرشوة وشراء الضمائر، في حرب شديدة الشبه بالحروب الصليبية، باعثها الحقيقي الغزو والاحتلال والسيطرة والتحكم، واسمها الذي تظهر به للعيان، تنفيذ وعد الله بالرجوع إلى أرض الميعاد، ولم شعث الشعب اليهودي، شعب الله المختار.
ويشاء الله أن يكون ذلك مرة أخرى على نفس الأرض التي كانت الهدف الرئيسي للحرب الصليبية.
وإذا كانت التجربة الأولى قد كتب لها أن تفشل على يد صلاح الدين، فإن كل واحد من رجال الحكم في البلاد العربية والإسلامية اليوم، يستطيع إذا أراد أن يكون صلاح دين، على شرط أن يتساموا جميعا عن السخافات والترهات والاعتبارات الزائفة، وعن الأنانية الحمقاء وعن عقلية جحا في قصة حبل الغسيل.