فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 ص11
لا يعلمون إلا أمور الصنائع الدنيوية، ?يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ? [الروم:7] ، ويا لشقاوة من اغتر بمعلوماتهم، وأفنى في تعلمها عمره، فإنه بلا ريب لا يكون إلا مثل ذلك الأخ التعس حماد الذي لا يريد إلا الدنيا وزخرفها.
فتركت الشيخ حتى أتم ما يقول فقلت له: هل يسامحني سيدي أن أذاكره في بعض ما قال؟
فقال: لا بأس، إنما هذا حديث دنيوي، وليس بمذاكرة أهل القلوب، فقلت:
إن المسلم لا يتم إسلامه ولا يكمل إيمانه إلا إذا تخلق بأخلاق القرآن وبأخلاق السلف، فبحقك هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل كفار عصره مثل المعاملة التي حكيتها عن المرحوم والدكم؟ أوليس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسع أخلاقه لهم؟ فقد لاقى وفد بني تميم الأجلاف الذين ينادونه من وراء الحجرات بغير هذه الأخلاق، بل جاء في القرآن أنه لا بأس بموادة من لا يقاتلون في الدين، ولا أخرجوهم من ديارهم، ولم ينه عن برهم وعن الإقساط إليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاملهم، فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وأجاز الشارع التزوج من كتابية، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه صاحب مرة يهوديا في الطريق، فلما أراد أن يفارقه ودعه وداعا جميلا، فقيل له في ذلك، فقال: إن الإنسان ليسأل عن صحبة ساعة - أو كما قال- وكان له جار يهودي لا ينساه في حق الجوار، واليهود والنصارى لا فرق في معاملتهم بذلك الشرط المتقدم، والإسلام دين العدل ودين الأخلاق ودين المسامحة، فإن فتحت كل الأقطار التي استقر فيها الإسلام بالسيف فإن قلوب أهلها إنما فتحت بالعدل، بل هناك أقطار ما جال فيها سيف قسط، كالصين وجاوة وأندونيسية وبعض نواح من إفريقية، قد صارت اليوم دار إسلام.
وأما تلك المناظرة بين ذلك العالم النصراني مع أولئك العلماء المسلمين، فيجب لو أمكن أن تمحى من التاريخ، حتى لا تبقى سبة خالدة في جانب علماء قطرنا هذا، فإنها تدل على جهلهم أكثر مما تدل على جهل ذلك الأجنبي، عند كل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والواجب على كل مسلم مخالقة غيره مع الثبات على مبدئه ودينه، فما أحل الإسلام لنا طعام غيرنا من أهل الكتاب ولا أباح لنا تزوج نسائهم إلا لهذه العلة.
فقال السيد العربي:
أراك قد أسرعت إلى المناظرة منذ الآن، فقد سمعت منك ما كنت أنتظر أن أسمعه من حماد، فإنه لو كان يعرف ما تعرف لكان حاجني به يوم كنت أرده عن التزوح بتلك النصرانية، يا هذا: إن لكل نازلة زمانا ومكانا، فلو كان هناك مسلم ثابت الإيمان، وكانت هناك كتابية لا تتغلب عليه فتفسد عليه دينه وأخلاقه وأولاده بعد، لما كان في الإسلام مانع من تزوج غير المسلمة، ولكن تكفينا قضية حماد اليوم في أن ذلك لا يجوز مؤقتا، سدا منيعا للذريعة.
فأردت أن أسلس القياد للسيد العربي، فوافقته فيما قاله كله، ولم أناقشه فيه، لأن معه مسحة من الحق، والحق أحق أن يتبع، فقلت له: إن ما قلته هو عين الحق اليوم، ولكن يجب علينا أن نربي بناتنا حتى يتهذبن ويتعلمن، فيمكن لأولادنا الذين تعلموا التعليم الجديد، أن يرضوا بالاقتران بهن، وإلا فلا يمكن أن يتغير هذا الذي نتشكى منه إلا بذلك، كما أنه يجب علينا أن نعلم أيضا أولادنا تعليما دينيا زيادة على التعليم الجديد، ليكونوا ثابتين فلا يخاف عليهم لو تزوجوا بغير مسلمة.
فلما قلت هذا، أراد صاحبي أن يسايرني كما سايرته آنفا، فقال:
نعم هذا هو الواجب على الأمة كلها، ولكن أين الأمة؟ فرددت صداه، فقلت نعم أين الأمة؟.
هذا موجز ما دار حول مائدة الغداء، ثم أخذنا مضاجعنا إلى العصر، فأديناها أيضا في الزاوية، ثم طلبت منه المصاحبة إلى زيارة ما يزار في المدينة، وكنت أقصد المستشفيات والمدارس والأندية العامة، فإذا به فهم من كلامي زيارة الصالحين، فدار بي على أضرحة انتهينا منها بضريح ابن عاشر، فصرت أحكي لصاحبي ما أعرفه من ترجمتهم، وأردت فيما بيني وبين نفسي التنكيت عليه وعلى أهل طبقته، حين لا يأبهون بالحديث ولا بدراسته، فقلت له:
أتدري أن هذا الشيخ ابن عاشر كان ينسخ كثيرا كتاب العمدة ويقتات من ثمنه؟ قال: هل العمدة كتاب فقه أو كتاب وعظ؟ فإنني لم أسمعه قط، إلا أن تقصد كتابا رأيته مرة عند أخي إبراهيم الذي جن بكتب اللهو والهزء واللعب والبطالة التي يسمونها بكتب الأدب، فقد قرأت على ظهر الكتاب أنه عمدة ابن رشيق، فقلت له: لا بل إنه كتاب في أحاديث الأحكام جمعها المقدسي من ?