فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1951 ص12
الصحيحين، وقد شرحه أناس، من بينهم عالم فاسي، فقال: لم أسمع به قط، فقلت له وقد رثيت لخجله: يكفي عن الكتاب البخاري ومسلم، فقال: نعم، وقد أخذناهما عن أشياخنا رحمهم الله ورضي عنهم.
دخلنا في العشية في موضوع حماد، وكيف يمكن أن يستنقذ قبل أن يغلق رهنه، ويبوء بكفره، فتأسف السيد العربي على عدم تلك القوة التي كانت تقف دائما في عصور الإسلام المزدهرة أمام ارتداد المسلم عن دينه.
فقلت له: إن القوة أن أجدت شيئا في عصر من العصور فإنما تجدي في ضغط الظاهر فقط، والإسلام لا يهمه الظاهر، فإن الله لا ينظر إلا لما تعقد عليه القلوب، وتطوى عليه الصدور، فالذي يجول الإلحاد في قلبه يصير أمام القوة زنديقا: مسلما في ظاهره ملحدا في باطنه، وهذا هو السر حتى لا تتأسس دعوة الإسلام على القوة، بل على الإقناع بالحجج والبراهين المستحوذة على الأفئدة، فلا إكراه في الدين، ?أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ؟ ? [يونس: 99] ؛ أو لا ترى أن الإسلام إذا ثارت بينه وبين قوم حرب حتى يغلبهم فإنه يذرهم وما هم عليه، فلا يتجاوز أن يدعو إلى ما فيه من الأفكار السامية والأخلاق الفاضلة بالتي هي أحسن، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، ?وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ? [الزمر: 36 - 37] .
وهذا العصر الذي نحن فيه آخر تلك العصور المتقدمة، فقد أطلقت فيه الحرية، وصار الإنسان يعتنق كل ما شاء، وزخرت فيه دواعي الإلحاد والتهتك، وانطوى فيه ما كنت تعرفه في تلك العصور، فلم يبق في أيدي أصحاب الغيرة إلا التبشير والإنذار، وتتبع أساليب القرآن في ذلك، وإرخاء العنان في المحاورة والمناظرة، ومحاولة أسر القلوب بما يظهر في كل وقت من أسرار الطبيعة ومن المكتشفات والمخترعات الدالة على وجود الله تعالى، وعلى كونه واحدا في تصرفاته كلها.
أفيمكن لذي عقل وحصافة، أن يطلع على ما وصلت إليه اليوم علوم المادة من تشابه المخلوقات في أصل تكونها، وأنها لا تختلف فيه، أمثال القمح والذرة والشعير إلا بزيادة مقدار من مقادير ما خلقت منه أو نقصانه، ثم يتوقف عن الاعتقاد بوجود خالق عالم، له أتم القدرة، لا يعزب عنه مثقال ذرة؟.
أفلا يدل علم الكيمياء الحديث دلالة واضحة على وجود الله، كما تدل عليه جميع المحسوسات في السماوات والأرض؟.
وعلى اعتبار هذه الأساليب تأسست دعوة القرآن، لا على أساليب فلاسفة اليونان، فان أردنا اليوم أن ننجح في هذا العصر الذي نهضت فيه علوم المادة فلا مناص لنا من مراجعة أساليب القرآن.
وأما إذا زدنا ما وصل إليه علماء الأرواح من اكتشافهم ما وراء المادة، فإن الدين يكون أقرب إلى العقول السليمة، وإنما ينقص دين الإسلام دعاة ذوو حصافة ولباقة وثبات وسلامة طوية، فليس زمان يقرب فيه الإسلام إلى الناس كمثل هذا العصر.
يجب أن يدعى أخوك حماد بالتي هي أحسن، وأن يرخى له العنان، ويطرق باب عقله من جهة شعوره الذي لا بد أن يكون حيا، ومن جهة علمه العصري الذي تعلمه اليوم، فليس كل ما تعلمه من عند الغربيين ضلالا كما يؤتى لك، فاتكل في أمره على الله أولا، ثم قابله بالحنو وأدب الخطاب، ثم كل إلى أخيك إبراهيم ما وراء ذلك مما يتعلق بمعارفه الغربية، فإن احتيج إلى حديث أو آية مستمدتين من مسلك العقول، أو مما يمس العاطفة والشعور، فسق إليه ما عندك، وإن توقفت المحاجة على المعارف الغربية فاندب إبراهيم، فقد أمرنا أن نندب إلى كل مهم أهل بلواه، ولا إخالك -إن اتبعت هذه الطريقة- إلا ناجحا فيما تراود عليه أخاك، فإن سبقت له الهداية من الله في أزله فإنه سيكون من المهتدين، وإلا فقد أديت ما عليك بينك وبين ربك، ? إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء? [القصص: 56] .
? وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ? [الكهف: 29] .
فأصاخ كأنه يدرك كل ما أرمي إليه ويسلمه.
ثم انفصلنا على اتباع هذا الأسلوب عند صلاة العشاء، فقد قال: إنني سأشتغل بأورادي الآن، ولا خير في حديث ما بعد العشاء للنهي عن ذلك، ثم أغلق بابه دوني. فالتفت إلى كتب مستديرة بالمكان الذي نجلس فيه، أتتبعها فإذا بها كلها صوفية أو حديثيه أو تفسيرية، فمما هناك شرح رائية الشريشي في كيفية التربية عند القوم، وشرح المباحث الأصلية لابن عجيبة، وشرح تائية السلوك واليواقيت والجواهر للشعراني، والعهود المحمدية والطبقات وأخلاق المتبولي له، والفتوحات المكية والإحياء للغزالي، ورسائل ابن عباد، ورسائل مولاي العربي الدرقاوي، والخازن على القرآن، والجامع الصغير للسيوطي، فأعجبني من بينها أخلاق المتبولي لقلته في الأسواق، ولكونه لا يزال مخطوطا، ففيه كنت أطالع حتى دهمني النوم.