فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 ص17

كٍأننا إذا كنا نجد في التاريخ رجلا من الأعاظم والعباقرة، فما عظمته وعبقريته إلا من ناحية أو ناحيتين من عدة نواحي العظمة والعبقرية.

أما هذا الرجل فإنه نسيج وحده وفريد شأنه، قد أحاط بجميع نواحي العبقرية والكمال والعظمة؛ فهو نفسه الفلسفي والحكيم والمنفذ لفلسفته في الحياة العملية، وهو نفسه المدبر السياسي وقائد الجيش وواضع القانون ومعلم الأخلاق ومزكي الأرواح والنفوس: يشمل نظره حياة الإنسان، وينفذ إلى كل جزء من أجزائها. وهو يصدر الأحكام والتعليمات في كل ما يتعلق بحياة الإنسان من آداب الأكل والشرب والجلوس والقيام، إلى العلاقات الدولية، ويقرر مدنية مستقلة، ويقيم بين مختلف شعب الحياة العديدة اتزانا صحيحا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهل ترى رجلا غيره جمع بين نواحي العبقرية والعظمة مثله؟.

ليس من أشهر وأعظم رجالات التاريخ إلا وفي نشٍأته فضل -قليل أو كثير- لبيئته. أما هذا الرجل فلا ينطبق عليه هذا الحكم، ولا نرى لبيئته أثرا ما في نشأته، ومن المحال أن يثبت بدليل عقلي أو نقلي أن كانت البيئة العربية في ذلك الزمان تقتضي تاريخيا أن يظهر فيها رجل مثله، وغاية ما يمكن أن يقال في هذا الإنسان هو أن البيئة العربية في ذلك الزمان كانت تقتضي أن يظهر فيها زعيم سياسي قومي، يودي بما كان بين مختلف قبائلها من المشاحنة والعصبية وتفرق الكلمة، ويصبها جمعاء في بوتقة قومية موحدة، ويسعى سعيه لسعادة العرب وفلاحهم الاقتصادي، بالاستيلاء على ما حولهم من بلاد الدنيا، ويكون حاملا لكل ما كان للعرب في ذلك الزمان من المزايا القومية، حتى يستعين بكل ما تصل إليه يده من وسائل الظلم والقهر والغدر والخديعة وسفك الدماء وما إليها للترفيه عن قومه والارتفاع بكلمتهم، ويكون بهم دولة قوية شامخة الأركان عزيزة الجانب مرهوبة المقام، ويتركها لورثته من بعده، أفمن الممكن أن يثبت شيء غير هذا من مقتضى بيئة العرب وتاريخهم في ذلك الزمان؟.

وغاية ما يمكن أن يقال بوجهة نظر فلسفة (هيجل) أو تفسير) ماركس) المادي للتاريخ هو أنه كان من مقتضى تلك البيئة أو من المحتمل فيها، أن يظهر في العرب زعيم يجمع كلمتهم ويصبهم جميعا في بوتقة قومية متحدة تحت دولة موحدة يتركها لورثته من بعده، ولكن كيف لفلسفة (هيجل) أو تفسير (ماركس) المادي، أن يعبر عن الواقع التاريخي:

وهو أنه ولد في تلك البيئة رجل عني قبل كل شيء وبعده بإصلاح الإنسانية، وتزكية أرواح الناس، وتطهير قلوبهم وتحليتهم بمكارم الأخلاق، وسعى سعيه للقضاء على ما كانوا عليه من الخرافات والأوهام والعصبيات الجاهلية.

رجل تجاوز نظره عن الحدود القومية والجنسية والوطنية وشمل الإنسانية بأجمعها.

رجل أقام بناء نظام للأخلاق والمدنية والسياسة لا للعرب وحدهم، ولكن للعالم الإنساني بأسره.

رجل ما عالج معضلات الاقتصاد والسياسة والمدنية والعلاقات الدولية في عالم الخيال والفكر فحسب، ولكن عالجها على أساس الأخلاق في عالم الواقع والحقيقة فعلا.

رجل مزج بين الروح والمادة مزجا معتدلا كان ولا يزال أكبر شاهد وأسطع برهان على حكمته وعبقريته، فهل لأحد أن يقول بعد كل هذا إن ذلك الرجل إنما كان نتيجة للبيئة العربية في الجاهلية؟.

ليس هذا فقط، بل إننا إذا تأملنا فيما جاء به هذا الرجل في حياته من جلائل الأعمال، وجدنا أنه كان غير متقيد بحدود الزمان والمكان، وكان نظره يفصم قيود الوقت والأحوال، ويشق حجب القرون والآفاق، ولا يصده شيء عن التقدم إلى الأمام. كان ينظر إلى الإنسان في كل زمان وفي كل مكان، ويصدر لحياته تعليمات خلقية وعملية تصيب المحز وتعالج مشاكله بصفة متساوية في كل عصر وفي كل بيئة. وهو ليس من الذين قد أبلاهم التاريخ، ولا نفيض عليهم الثناء اليوم إلا من حيث كانوا دعاة الخير ومحسني الإنسانية في زمانهم، بل هو -خلافا لكل من سواه- زعيم الإنسانية ومحسنها الذي لا يدانيه غيره، وهو يساير التاريخ، وهو جديد في كل زمان كما كان جديدا في زمان حياته.

والذين تضفى عليهم بكل سخاء ثياب المدح ويلقبون بصانعي التاريخ، ليسوا في حقيقة الأمر إلا ممن قد صنعهم التاريخ.

والحق أن ليس في التاريخ الإنساني كله رجل، حاشا هذا الأمي، يجوز أن يقال عنه إنه صنع التاريخ، وما من أحد قد تم على يده نوع من الثورة في التاريخ الإنساني، إلا وتجد إذا أنت نظرت في حالاته وظروفه وبيئته، أن أسباب الثورة كانت بنفسها مختمرة قبل أن يقوم لإحداثها، وأن هذه الأسباب نفسها كانت تعين الوجهة لعمله، فلم يكن من بطل الثورة إلا أن أخرج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت