فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 ص18
مقتضى ظروف بيئته وزمانه إلى حيز الوجود ببذل جهوده وقوته، أي إنما لعب دور ممثل يكون كل من المنصة ونوعية التمثيل مقررا متهيأ له من قبل.
أما هذا الرجل فلا نظير له أبدا بين صانعي التاريخ ومحدثي الثورات في الدنيا قديما أو حديثا، لأنه بنفسه خلق أسباب الثورة، وأعد لها المواد الابتدائية، حيث لم يكن لها وجود، وبنفسه أعد لها الرجال الأكفاء بإذابة شخصيته العظيمة وإفراغها في قالب آلاف مؤلفة من الناس في بيئة جاهلية، ما كان في أهلها روح الثورة العملية ولا النشاط والاستعداد العملي لإحداثها.
هوا الذي أعد أسباب الثورة بقوة إرادته، وعين صورتها ونوعها، وهو الذي واجه الأسباب بعلو همته ومضاء عزيمته، حتى غير مجراها إلى جهة أراد أن يوجهها إليها، فأنى نجد صانعا للتاريخ ومحدثا للثورة على مثل درجته وشأنه؟.
هذا، وتعالوا نتفكر الآن: أي وسيلة كانت لما نشأ من العلم والنور ورباطة الجأش، وجاذبية الشمائل، ونفوذ الكلمة، والكفاءات والكمال والقوى المهذبة الفائقة دفعة واحدة، في رجل أمي يرعى الغنم، ٍأو يحترف التجارة، في ناحية من أرض منحطة مظلمة كجزيرة العرب قبل ٍأربعة عشر قرنا؟ تقولون إن كل ذلك ما كان إلا مما اختلقه هو نفسه ونبع من ذهنه وأفكاره.
وأقول إنه لو كان الأمر كذلك، لكان على هذا الرجل أن يدعي الألوهية، ولو أنه ادعاها، لما أبت الدنيا أن تصدقه، في قوله وتؤيده في دعواه، إذ كانت هي التي اتخذت أمثال رام وكرشن وبوذا آلهة وجعلت المسيح ابن الله، وأي شيء من النار أو الماء ٍأو الهواء أو غيرها لم يكن يعبد فيها في زمانه؟.
ولكن انظروا واسمعوا ما يقول هذا الرجل عن نفسه بنفسه: إنه لا يفتخر بما جاء به، ولا يكسب الثناء بنسبته إلى نفسه، وإنما ينسبه إلى الله الذي أكرمه به وأنزله عليه، ويقول ما أنا إلا بشر مثلكم، وكل ما عندي ليس من نفسي وإنما هو لله ومن الله وحده، وما هذا الكلام الذي أتلوه عليكم, وقد عجز عنه مصاقع خطبائكم وفحول شعرائكم، بكلامي ولا مما نبع في ذهني وأفكاري، وإنما نزل علي كل حرف منه من عند الله تعالى، فلا يستحق عليه الحمد والثناء إلا هو وحده. وهذه القوانين التي أتيت بها لحياتكم، وهذه الآداب التي علمتها إياكم، ما أنا الذي اختلقت منها شيئا من تلقاء نفسي، ولا أقدر عليه، وأنا فقير إلى هدى الله تعالى ورحمته وفضله في كل شأن من شؤون حياتي، ولا أقول ولا أعمل إلا ما أتلقاه من عنده، سبحانه وتعالى.
انظروا إلى مبلغ هذا الرجل من الصدق والأمانة والتقوى؛ يحاول الكاذب أن ينسب إلى نفسه محاسن غيره، مع أنه من الممكن أن يعرف مصدرها بكل سهولة، أما هذا الرجل، فلا ينسب إلى نفسه محاسن لو نسبها إلى نفسه لما استطاع أحد أن يكذبه لأنه لا يعرف ولا يستطيع أن يعرف مصدرها الحقيقي.
فأي دليل أقوى من ذلك على صدق هذا الرجل؟ ينال في نفسه كمالات منقطعة المثال بوسيلة خافية، ثم يبين للناس بدون تلكؤ ولا تحرج مصدرها.
قولوا بالله ما لنا -بعد كل هذا- أن لا نصدقه فيما يقول؟
استعمال العلم
قال رجل للمهلب بن أبي صفرة:
كيف نجحت وبلغت ما بلغت من مركز رفيع؟
فقال المهلب:
إنما أدركت ذلك بالعلم وحده، فقال الرجل:
ولكن غيرك لم يصل إلى ما وصلت إليه وقد تعلم أكثر مما تعلمت؟ فقال المهلب: ذلك لأنني استعملت علمي ولم أحمله، بينما حمله غيري ولم يستعمله ...