فهرس الكتاب

الصفحة 1982 من 5287

التركية بحكم بدائيتها ونظامها المعقد أطلت على عالم العربية فذهلت منه وخشعت أبصارها له، واتصلت بالفارسية وقد طعمت بالعربية كثيرا فاشرأبت أعناقها غليها ووجدتها -وهي جارتها- أقرب السبل للاستفادة في أوسع معانيها، فحملت لغتها عناصر هذه -ونصفها عربي- فانتعش بها أدبها أو خلق خلقا جديدا وكان لها فن قولي إسلامي تجلى في تلك اللغة التركية الحديثة «العثمانية» .

وطبعا إن هذه المحاولة كان عليها أن تصمد للأزمان الطوال وكان غرسها لابد أن تتمكن جذوره من الأرض الطيبة زمنا غير قصير حتى يوتي أكله، وكان بعد حوالي قرنين من الزمان أن ظهرت اللغة العثمانية والأدب العثماني نسبة إلى الأمير عثمان العظيم.

ومن الطريف أن نطلع على المنشور الذي جعله أميرا على ولاية «سيكود» وكان ذاك المنشور من لدن علاء الدين السلجوقي آخر السلاطين السلاجقة في آسيا الصغرى. فهو منشور صدر من تركي إلى تركي ولكنه في لعنته وأسلوبه فارسي إسلامي تتخلله الآية القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار العربية والحكم الصوفية العربية أيضا، فليس فيه على طوله كلمة تركية فبالأحرى ألا تكون فيه جملة تركية.

وهكذا بقيت اللغة التركية في صمت عميق لا نبس له بين أصداء الآداب وفي شلل كلي لا تستطيع معه يد أن تصر فلما، وفي عراء كاشف لا يسرها لباس، على أن ركبت -بعد الانتعاش- في منحرها حنجرة غيرها ووصلت بمنكبها ساعد غيرها ثم ارتدت بيدها الصناعية رداء غيرها وكانت العربية هي المعيرة بيدها العربية الخالصة وهي المنيلة باليد الفارسية وقد تختمت أصابعها بخواتم عربية وحليت معاصمها بأساور عربية فتحركت اللغة العثمانية وقد نفخت فيها الأرواح وانبعثت من تلك الحناجر الأصداح واختالت مزهوة بذلك الرداء ولكنها مع ذلك أو لذلك -والكل مستعار أو صناعي- لم تكن إلا مقلدة في كل شيء ومرددة لكل شيء ...

كان على رأس شعرائها في القرن العاشر شاعر جادت به العراق وإنشائه «الحلة» ذلك الشاعر هو «فضولي» وهو فضولي حقا حينما تناول كثيرا من الموضوعات فشعر فيها أو ترجمها على اللغة العثمانية ومن منظوماته «ليلى ومجنون» ومن مترجماته عن الفارسية كتاب «روضة الشهداء» لحسين الواعظ الكاشفي في أخبار أهل البيت، فسماه في ترجمته «حديقة الشهداء» .

وكان الشاعر الأديب إلى جانب كونه محسنا للفارسية كذلك كان محسنا للعربية حيث ترجم منها «كليلة ودمنة» على الفارسية، ونقل قصة «مجنون وليلى» إلى التركية.

ومهما يكن فقد كان هذا الأديب في التركية من طلائع الأدباء الذين كانت لهم مكانة أصلية فيما بعد، ومن ثم ارتقى الشعر بالخصوص ونال قمته في الكمال على يد شاعر عربي الأصل هو «عبد الحق حامد» وهذا الشاعر لم يمض على وفاته أكثر من نيف وعشرين سنة وهو أعظم شاعر في العثمانية على الإطلاق ومنظومتاه «مقبر» و «أولو» تعدان بحق من أعظم ما كتب في الآداب العالمية.

لنرجع إلى ما وراء خمسة قرون فنجد أن النحو التركي لم يؤلف فيه إلا عربي ولم يؤلف فيه إلا في بيئة عربية أوت بعض الأتراك، ذلك المؤلف هو أبو حيان الأندلسي صاحب التفسير الشهير وغيره. فحتى النحو التركي لم يجمع شتاته، ولم ينظم قواعده إلا عربي وبلغته العربية وفي بيئة عربية، ولولا ذلك لتأخر الزمان بالتأليف في النحو التركي إلى أن تكون عقول الأتراك مستعدة له. وما كان الصولي وقد نبغ في العربية ليلتفت على لغته الأم أو الجدة ليؤلف في قواعدها.

بقي علينا أن نلتفت إلى نشاط الأصابع العثمانية فنجدها تتناول القلم العربي فتخط بالحروف العربية مضافة إليها الحروف التي حورتها الفارسية من مفاخرها ويقول الترك: قد اكتملت عدتنا وهذا عتادنا ويصيح إليهم التاريخ وتصغي إليهم العلوم وتنقش بهم الفنون، ولكنهم ما أصيبوا بكوارثهم وما تكالبت عليهم جيرانهم وعملت الصليبية في هدم كيانهم حتى استكانوا لقصف مدافعهم وانساحوا في مجرف تيارهم فقالوا علينا أن نطبع وعليكم -مرجوين- أن تبقوا، وقذفوا بالكتابة العربية وطوحوا بالألفاظ العربية وحاولوا واهمين أن «يطهروا» منها لغتهم .. ولكن هل وفقوا فكل ذلك؟.

هذا سؤال يمكن أن تجيب عنه بذلك النشيد القومي الخالص الذي نظموه لنشأتهم بعد ما مضى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت