فهرس الكتاب

الصفحة 2010 من 5287

إلى العامية أو من الأصالة على الركاكة، أو يتنكر لأمجاده ويزدريها أو يستجيب للقومية الضيقة وينفر من التجمع، وسافرت البعثات متوالية من القاهرة وتونس ومن سوريا ولبنان ومن كل أنحاء العالم العربي إلى أوربا وعادت دون أن يغير ذلك من فهمها -إلا أفرادا قلائل كشفهم العرب ونبذوهم- بل إن الذين ذهبوا إلى أقصى الأرض وعاشوا في قلب التيار الغربي لم يستطع هذا التيار أن يطويه فيقول الشاعر القروي في مهجره: (أمتي أنا مكثرا ووطني أنا مكبرا، إذا اقتطع ذئاب الاستعمار منه قطعة، فكأنما أكلوا جارحة من جوارحي، وإذا هدروا عربيا في لبنان أو تطوان فكأنما شربوا نخبة من دمي، أنا وحدي سبعين مليونا من العرب كل واحد منهم أنا، فينبغي أن أحبهم سبعين مليون حبي لنفسي، من افتداهم فكأنما أحياني سبعين مليون مرة ومن خانهم فكأنما قتلني مثلها) .

وهكذا غلبت قوة الأدب العربي الأصيلة على التيارات الضالة التي ما تزال تتردد في خفوت ويحملها عملاء للغرب من العرب يدعون لها بأسلوب أو بآخر ولكن ليس في حماسة ما كان في الماضي ولا في قوته ونحن نثق بأنه لم يعد ممكنا بعد أن بلغ عمق القومية العربية في الأدب ما بلغ أن تستطيع هذه المذاهب التغريبية أن تنتصر أو تجد سوقا رائجة ...

ولكنا نحن الأدباء العرب مع ذلك يجب أن نظل في يقظة نواصل معركة المقاومة التي لم تنته بعد، وصدق الرصافي إذ يقول:

إننا أمة تدرا الضيم * ولا تستكين قط لغاصب

وقد أمكن في خلال هذه الفترة أن تدحض نظريات كثيرة كانت متألقة في أول القرن فلم يعد صدقا ما قيل من أن الثورة العربية كانت مستقاة من الثورة الفرنسية، وقد مضى عصر المذابح الذي كان يبكي فيه أدباء العرب على سقوط فرنسا، والذي آمن فيه بعض المبهوتين العرب بظلمات فرنسا البراقة بعد أن سمعوا عن مجازرها في الجزائر.

ولم يعد هناك اتجاه إلى الثقافة الفرنسية أو الانجليزية أو الأمريكية معروفا في الثلاثينيات من هذا القرن.

وقد ساد الأدب العربي المعاصر كله خلال فترة (المقاومة والتجمع) اتجاهين واضحين: التجديد في الأسلوب والموضوع، والتطور مع روح العصر ومقتضيات الزمن والمحافظة على القديم والتمسك بالتراث العربي واحتذائه وبعثه.

ولا شك أن مأساة فلسطين وحدت العرب وكانت بعيدة الأثر في أدبهم وتاريخهم كله، وهي -مع معركة الجزائر القائمة منذ خمس سنوات- قد كشفت الغرب على حقيقته وأعطت العرب صورة واضحة لمدى بربرية الحضارة الغربية ومدى كذب الإدعاءات التي تحملها الثقافة الغربية من كلمات الحرية والإخاء والمساواة وذلك انهارت ثقة العرب في ثقافة الغرب ومن ثم مضى الأدب العربي الحديث يستمد قوته من أمجاده يبعثها من جديد ويضيف إليها أمجادا وبطولات جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت