فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 ص 31
كان يقول ذلك وفي عينيه بريق مقدس، بريق المؤمنين المتفانين في الإيمان الذين لا يعنيهم بعد الإيمان ما يصيبهم من ذل وخساسة، ثم استأنف:
ولما جمعت المال وقررت السفر فكرت في الأراضي، فقد كنت أعرف أن من الممكن جدا أن يشملني الله تبارك وتعالى برعايته، فلا أعود مرة أخرى، وإنما أقضي نحبي في الطريق ذاهبا أو آيبا، ولذلك قررت آن أتنازل عنها، فاستدعيت أحد أقربائي ووصيته بأن يعتني بأولادي في غيبتي فأقسم على ذلك وهناك تنازلت له عن الأراضي"."
قلت: ولك أولاد؟
فقال: نعم خمسة أطفال أكبرهم في سن العاشرة، لا حرمهم الله من زيارة بيت الرسول ...
قلت: إذن أنت متزوج.
فقال: لا لست متزوجا، أو على الأصح لست متزوجا الآن، لقد كنت أبعد نظرا من أن أرتكب مثل هذه الجريمة ... أن أذهب في هذه السفرة البعيدة وفي عهدتي امرأة، لا تحتقرني، إنني أشد تقى من أن أفعل ذلك. لقد قرأت يا مولاي القرآن وعرفت مبادئ الدين، وأستطيع أن أقول لك إنه لا يوجد ثم أفظع من أن يموت الإنسان أو يغيب وهو متزوج، يجب أن يطلق زوجته حتى لا يكون مسئولا عما تعانيه من شقاء، وهكذا كنت يا مولاي أكثر إلماما بديني من أن أقوم بمثل هذا العمل العظيم وفي عهدتي امرأة، نعم يا سيدي لقد طلقتها على سنة الله ورسوله قبل أن أشرع في عملي المقدس، طلقتها وبرأت ذمتي منها، حتى لا يعاقبني الله تعالى ويقول لي يوم القيامة كيف تسافر وفي ذمتك امرأة، طلقتها وأخلصت الدين لله يا مولاي.
كان اهتمامي بقصته قد بلغ منتهاه ولذلك سألته: وأولادك؟ ماذا فعلت بأولادك؟ هل تخلصت منهم وأخلصت الدين لله أيضا؟
قال: لا، لقد أعددت للأمر عدته وتركتهم في عهدة قريبي ... قبل أن أسلم له الأراضي.
قلت: وإذا رجعت وأنكر أن الأراضي أراضيك.
قال: مشيئة الله، ولا مرد لقضائه تعالى
فقلت: فهمت ما ترمي إليه، جمعت أكبر قدر ممكن من المال وانطلقت في الطريق إلى الأراضي المقدسة لتؤدي فريضة الحج مضحيا بأراضيك وزوجتك وأولادك أليس كذلك؟
قال: نعم وعند الله الثواب.
فسألته: وماذا حصل بعد ذلك؟
فأجاب: انطلقت في سبيل الله إلى بيت الله لأداء فريضة الله، وقد تخلصت من جميع واجباتي كما تقول، من أراضي الزراعية ومن الزوجة ومن الأولاد، ولذلك فقد استقبلت الله دون تبعات، خلفت وراء ظهري الدنيا ومتاعها، وسرت في طريق الله مجردا منهما، ولن يقف في طريقي شيء إلى أن أصل إلى بيت الله.
والحقيقة أن بريقا مقدسا كان يلمع في عينيه وهو يلفظ هذه الكلمات التي كانت تعبر عما تكنه روحه من إخلاص هائل، ولكنني كنت متعطشا إلى سماع بقية قصته.
قال:"خرجت من بلادي مزودا بمال كثير، وبدأت أسير في اتجاه الشرق، وذلك منذ أكثر من ثمانية شهور، وقد وصيت بأن أسلك الطرق الصحراوية حتى لا يعترض لي رجال الحدود، ولم ألق صعوبة كبيرة في الوصول إلى الجزائر ثم تونس ثم طرابلس وكنت أسير حوالي عشر ساعات كل يوم"
قلت:"هذا واضح خرجت سيرا على الأقدام ووفرت مالك للشدائد".
قال:"وهل تظن أن السفر على الأقدام لا يكلف المال إنك واهم يا سيدي، كنت أدفع ثمن المبيت وثمن الطعام وأشتري النعال التي كانت تتمزق بسرعة، كما كنت أدفع المال لمن يدلونني على الطريق، وكان من هؤلاء من يغشني فيدلني على طرق تفضي بي إلى الضلال، فأضطر أن أدفع مالا آخر لمن يدلني على المكان الذي كنت فيه قبل أن أضل السبيل، ولا تسأل عن طمع الأعراب فيمن يسافر سيرا على الأقدام، لأنهم يعرفون أنه يحمل المال، ويعرفون أنه يسافر دون أوراق، ولذلك فهم يحاولون أن يسرقوه، فإذا لم يستطيعوا ذلك لجأوا إلى التهديد بالوشاية به إلى رجال السلطة إذا لم يدفع لم ما يطلبون، وهكذا بدأت أفقد مالي تدريجيا، ولكنني كنت راضيا لأنني كنت أعلم أن ما بقي معي سوف يكفيني للوصول إلى بيت الله الحرام، ولن يهمني شيء بعد ذلك، لن يهمني ما يمكن أن يحدث بعد زيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام. إنني أقبل عن طيب خاطر بعد ذلك أن تعصف بي النكبات."
قال:"وفي بلاد برقة أصابني إعياء شديد فالتقطني أحد الأعراب ولما عرف أني في طريقي إلى الحج أظهر إعجابه بي وأخذني إلى بيته حيث أطعمني"