فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 ص 32

واستضافني ثلاثة أيام، وذات ليلة من ليالي الشتاء الطويلة وكنت استعدت قوتي بفضل العناية التي شملني بها الأعرابي جلسنا نتحدث بالقرب من نار دافئة، وكان حديثنا يدور حول البقاع المقدسة وما يدخره الله تعالى لمن يقاسي الشدائد في سبيل زيارتها، أمر الرجل بعد ذلك بإحضار ملابس جديدة لكي أستبدل بها ثيابي وكان يساعدني على ذلك بدعوى أنني تعب، فاستسلمت له وأنا أشكره وانتهينا من ذلك وأنا لا أزال أشكره، كنت جالسا بالقرب من النار بينما كان هو واقفا إلى جانبي حينما تذكرت أنني تركت ما معي من مال في القميص الذي نضوته، فاستدرت أبحث عنه، ثم مددت يدي، ولكنني لم أجد المال في مكانه. فاستغربت وبدأت أبحث هنا وهناك والرجل قائم عند رأسي، ثم رفعت الحشية الصغيرة التي كان يجلس عليها فوجدت المال تحتها، ولكن سرعان ما وضع الأعرابي قدمه على يدي في شدة وهو يسألني ماذا أفعل؟ قلت: إنني آخذ مالي.

قال الأعرابي: مالك أيها اللص! يا شيخ السوء، أهذا ما سافرت من أجله، ثم تقول إنك في الطريق إلى بيت الله الحرام، ألهذا أسرفت في الخشوع وادعيت المرض، أتستغل رحمتي ورقة شعوري باسم رسول الله وباسم التظاهر بالمرض والضعف لتسرقني، ألا قاتلك الله اخرج من بيتي أيها المشعوذ وإلا استدعيت رجال الشرطة. كيف يمكن أن يصدق أحد أن مثلك بأسمالك وقدراتك يملك هذا القدر من المال"."

ثم رفسني في صدري وهو يأمرني بمبارحة بيته في الحال، قبل أن يستبد به الغضب ويستدعي رجال الشرطة، وقد حاولت أن أقاوم لأنني كنت أعلم المصير الذي ينتظرني دون مال في هذه البلاد البعيدة، ولكنه كان أعرابيا قويا، وقد استطعت أن أرى على ضوء النار ما يبدو على وجهه من تصميم وعدم تردد، ولذلك عرفت أنني ضائع؟ فوقفت وقد بدأ يخيل إلي من شدة تصميمه أن المال ماله لا مالي، وعندما أردت أن أخرج وضع يده القوية على كتفي وهو يشدني قائلا:"ارجع إلى أسمالك أيها اللص الحقير فإنك لا تستحق أن أحسن إليك بمثل هذه الثياب".

قال في تذلل:"وهنا بدأت متاعبي الحقيقية، وإنك تستطيع أن تتصور حالة رجل في صحراء لا مال له. وقد بدأت قوتي تنفد بعد نفاد مالي، كما لو كان أحد قد سرقها مني هي أيضا، وتمزق نعلي وبدأت أسير حافيا على الرمال الملتهبة، فتورمت قدماي، وقضيت بقية الطريق متسولا أنام في العراء وأعيش على ما ينفحني به الأعراب في الطريق."

وذات ليلة قمرية، بينما كنت أسير مجهدا وأنا أعزي نفسي بسمو الغاية التي أتحمل في سبيلها كل هذا العذاب، انقض علي رجل قوي وطرحتي أرضا وهو يطلب مني ما معي من نقود وإلا مزق أحشائي بخنجر حاد كان يلمع في ضوء القمر، ولما أخبرته بأنني متسول لا أملك شيئا لطمني بعد تمزيق ثيابي، باحثا عن مالي، ولما أعياه البحث ولم يعثر على شيء رفسني رفسة قوية وهو يلعنني، ثم التفت إلي وهو يرمي لي كسرة من الخبز قائلا:"كل هذه فقد كلفتني القيام بهذا الجهد دون جدوى، ومع ذلك يبدو أنك تستحق الرحمة أيها المتسول القذر."

كان يخيل إلي أن الشهور والأعوام تتطاير وتقترب بي في سرعة إلى أرذل العمر لشدة ما أصابني من ضعف، كان الهرم يسري في أوصالي كما تسري النيران في الهشيم، وقد قضيت على هذه الحالة ما يزيد على أربعة شهور، ولم ينقذني إلا رجال حدود مصر الذين اعتقلوني، وجاءوا بي إلى هذا المكان الذي وجدتني فيه ثم أطلقوا سراحي وانتهى بي المطاف إليك. ها أنذا.

كان الدم يغلي في رأسي غضبا حينما وصل الرجل مديد القامة إلى هذا الموضع من القصة، فسألته: وماذا حصل بعد ذلك؟

قال: وهو ينظر إلى السقف في تواضع مفتعل زائف: ظل عندي حوالي أسبوعين بالطبع، وساعدته على أداء الفريضة المقدسة التي كرست حياتي لمساعدة المغاربة على تأديتها كما تعلم، ومن لهم غيري، فلولاي لما وصل كثيرون منهم إلى بيت الله الحرام، وهم قوم بسطاء، ولا بد لنا من مساعدة إخوان لنا في الدين.

قلت: وبعد ذلك؟

قال: إن بقية القصة مكتوبة على هذه الورقة الملقاة هنا، إنها رسالة من الشرطة المصرية ومعها ورقة التعريف الشخصي، ثم رفعها وبدأ يقرأ الورقة الأولى: الاسم -عبد السلام الصنهاجي- السن -45 سنة محل الولاةد - ضواحي فاس - الغاية من السفر - الحج إلى بيت الله الحرام. ثم رفع الورقة الثانية وقرأ: بوليس القاهرة- نفيدكم علما بأن السيد عبد السلام الصنهاجي الذي يحمل تعريفكم المرفق بهذا عثر عليه رجال البوليس في الصحراء الشرقية جثة هامدة.

ثم رفع إلي ورقة التعريف لأراها وهو يقول: هذه صورته إنه هو تماما، انظر إليه فربما كنت قد رأيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت