فهرس الكتاب

الصفحة 2146 من 5287

الأدبية العربية، ولا نظنه في حاجة إلى ذكر هذه الكنب فهي كثيرة في متناوله وماثلة في ذاكرته، كما لا نظنه في حاجة عرض خريطة للبقعة الجغرافية التي تمثل له الجزيرة العربية ومكانها من الأقاليم الفارسية فذاك ما نعتقد أن الصديق يعلمه علم اليقين ويحرص على تذكره في كل آن وحين ..

قد يقول -وله الحق-: ولم تنظر إلى الجوار في شرقه، ولا تنظر إليه في شماله، ولم تلجأ إلى التاريخ -أيضا- في الحيرة حيث المناذرة، ولا تلجأ إليه في بادية الشام حيث الغساسنة؟

والجواب بسيط ليس «مسألة لا يسهل الوصول إليها» فالفرس كان تدخلهم في إمارة الحيرة على عهد الجاهلية، بمثابة تدخلهم في العراق على عهد الدولة العباسية، أما الروم فإنهم ما كان لهم هذا التدخل في إمارة غسان، وإنما كان يهمهم منها الناحية العسكرية المجردة فلم نر الأمراء الغساسنة يبنون قصورا لأمراء الروم مثل «الخورنق» أو «السدير» الفارسي الاسم -ولم يروا في يوم من الأيام لهؤلاء الأباطرة مناظرات عقدت بينهم وبين العرب وقد أتى بهم أمراء الغساسنة كما أتى بهم أمراء المناذرة، ولم نر منهم موقعة واجهوا بها العرب في مثل موقعة «ذي قار» تجلى فيها الصراع بين الفرس من حيث أنهم فرس وبين العرب من حيث أنهم عرب، ولم نر من ذي قبل شاعرا عربيا قد أمهم بالمديح كما حصل من شعراء عرب أموا هؤلاء الملوك الفرس فمدحوا منهم مثل كسرى، وإنما أمهم امرؤ القيس -كما قيل- في معضلة عسكرية وليست بمعضلة أدبية.

فكان أثر ذلك أن هؤلاء تأثروا بالفارسية، فرجعوا على قلب جزيرتهم بألفاظها -على الأقل- ولم يرجع أولئك الذين زاروا بلاط الغساسنة بشيء من هذه اليونانية لأنهم مسيحيون «رقاق نعالهم، يحيون بالريحان يوم السباسب» فمحجة هؤلاء قد أفضت إلى قلوبهم ولم تتشعب بهم في نظام اجتماعهم، وكانت بتلك المجاهل التي لم يكن منها شيء بين المدائن «والحيرة» التي هي في اسمها فارسية كذلك ..

هذا كله يجعلنا نطمئن إلى أن التأثير الفارسي في الجاهلية كان أسبق من اليوناني الذي حدث في الإسلام وبعد ما قطع أشواطا زمنية من ظهوره.

وهذه مسألة -كما قلنا- من السهولة بمكان، وليست كما قال الأستاذ «مسألة لا يسهل الوصول إليها .. » ولا نريد أن نعكس القضية، ونحيل الأستاذ على كتاب ألفه الأستاذ العقاد أخيرا، وأثبت فيه أن هذه اليونانية أخذت في أغوار تاريخها، من العربية بعض ألفاظها، وفلسفتها نفسها لم تشرق إشراقها ولم تصر طيعة للعقول والذواق في هضمها إلا بفضل العربية .. لا، ر نريد هذا ولا نفتح فيه الأبواب التي يصعب علينا سدها، وإنما نسترسل مع الأستاذ ابن المليح في نقاشه حيث يسترسل فيقول

«التأثير كما أوضحنا لا يتمثل في استعارة الألفاظ فحسب، وغنما يتمثل في الفكرة والأسلوب والخيال، وهذا ما يسهل إثباته بالنسبة لتأثير الأدب العربي باليونانية، ويستطيع الباحث أن يجد له أمثلة كثيرة، في شعر ابن الرومي وأيس تمام ونثر عبد الحميد وأبي حيان التوحيدي وغيرهم» .

أما كون التأثير لا يتمثل في استعارة الألفاظ فحسب، فهذا ما اتفقنا عليه أولا وثانيا ونتفق عليه ثالثا، فإننا ما قلنا أن الألفاظ «وحدها» المؤثر، ولا إنها «كافية» في هذا التأثير، ولا أن استعارتها «فحسب» يتمثل فيها هذا التأثير، وعلى هذا فكلمة «حسب» أخت «وحدها» وابنة أم «لغير كافية» .

أما الفكرة والأسلوب والخيال، وتلك «المسألة» التي فاتتنا وهي «تتجلى في تأثير الفكر، والأسلوب، والأخلية، والصياغة، وسائر مناحي العقل والعاطفة والتعبير عنهما» .

فكل ذلك يسهل إثباته بالنسبة لتأثر الأدب العربي بالفارسية، كما يجد الأستاذ له شواهد في غير ما يستطيع عده من كتب الأدب ودراسته، وحسبه أن يلتمس هذه الشواهد وتعليل وجودها في كتب أستاذه -أو أستاذنا- أحمد رضى أمين رحمه الله، وليكتف منها بفجر الإسلام والجزء الأول من ضحى الإسلام والجزء الأول من قصة الأدب في العالم، ونكفيه بعد ذلك مئونة البحث وإنفاق الزمن الطويل فيه. وهذه المراجع نفسها تجعله يكف عن اعتقاده في أن «هذا ما يسهل إثباته بالنسبة لتأثر الأدب العربي باليونانية ويستطيع الباحث أن يجد له أمثلة كثيرة .. «فهي سلاح ذو حدين وحجر بعصفورين» »

وابن الرومي الذي جعل الأستاذ شعره من هذه الأمثلة تضمنت بنوته «شقين» فهو يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت